رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
4 يوليو، 2022
3 تعليق

مشاهد وعبر من سورة الكهف - قـصـة صاحب الجنتين (5) المشهد الثالث: حقائق الكون وأهوال يوم القيامة

قصة صاحب الجنتين هي إحدى قصص سورة الكهف؛ حيث يخبرنا ربنا -سبحانه و-تعالى- عن الصراع بين الحق والباطل، وطرفا الصراع هنا رجلان: أحدهما كافر: وهو الذي نعته القرآن بـ(صاحب الجنتين)، والطرف الآخر: مؤمن، وهو الذي يمثِّل جانب الحق، والخير والصلاح، وقد احتوت هذه القصة على ثلاثة مشاهد، المشهد الأول: العطية الإلهية والحوار الكاشف، والمشهد الثاني: البوار الكامل، واليوم نستكمل الحديث عن رسائل المشهد الثالث: حقائق الكون وأهوال يوم القيامة.

الرسالة الثالثة: أهوال يوم العرض

     قال الله -تعالى-: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48) وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}: يخبر الله -تعالى- عن حال يوم القيامة، وما فيه مِن الأهوال والشدائد التي يشيب منها الولدان فزعًا وخوفًا، وقد بدأت الآية بنسف الجبال، وتدميرها وتسييرها، والجبل رمز القوة والثبات، وقد ضرب الله المثل بثباته فقال: {وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} (إبراهيم:46)، وقال: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} (الإسراء:37).

رد الله -تعالى- على منكري البعث

      لذلك ردَّ الله على المشركين المنكرين للبعث في موضع آخر فقال: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا} (سورة طه)، وعبَّر القرآن عن هذا المعنى في مواضع عدة، وبألفاظ متنوعة فقال: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} (سورة الطور)، وقال: {إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا} (سورة الواقعة)، وقال: {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ} (سورة المعارج)، وقال: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا} (سورة المزمل)، وغيرها من الآيات التي تقول للمشركين: إن كل ما ترونه في الحياة من مظاهر القوة والعظمة سينتهي ويزول، ويصبح أثرًا بعد عين، ويأتي يوم القيامة والأرض يومها عارية مكشوفة ليس فيها رسوم ولا علامات، إنما هو الظهور التام، والانكشاف المطلق.

مشهد العرض على الله -عز وجل

    ثم ينتقل القرآن إلى مشهد العرض على الله -عز وجل- فرادى، حفاة عراة، لا يكون مع الإنسان في هذا الموقف أحدٌ، لا مال، ولا جاه، ولا قوة، ولا سلطان! قال الله -تعالى-: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ}، وقال -تعالى-: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} (سورة مريم)؛ فلا نجاة لأحدٍ مِن العرض على الله -عز وجل-، ولا مجال للتخفي ولا للهروب، الكل حاضر، والجميع مصفوفون، والأرض مستوية مبسوطة، والكل منتظر لحظة الحساب.

نشر الصحف ووضع الكتاب

     ثم تأتي مرحلة نشر الصحف ووضع الكتاب الذي دُونت فيه الأعمال كلها، صغيرها وكبيرها، ما ظَنَّه العبد هينًا -وهذا ما بدأ القرآن به لكثرة تهاون الناس فيه-، وما حسبه عظيمًا؛ فهناك حصرٌ شامل ودقيقٌ للأعمال، فإذا كان الغالب على أعمال الإنسان المعاصي والكفر والفجور، فإنه يتحسر ويندم، ويدعو على نفسه بالويل والثبور، أما إذا كان الغالب على الأعمال الصلاح والاستقامة فإنه يفرح بما ادَّخر الله له من ثواب؛ فكل معروف مهما صغر شأنه في عين العبد فهو مأجور عليه حتى سقيا الكلب، وكل بلاء أو أذى أصابه فهو في رصيد حسناته حتى ولو كان شوكة.

باب الرجاء والخوف

     وهذا يفتح للإنسان بابًا للرجاء وبابًا للخوف، أما باب الرجاء: فيدفعك إلى عدم احتقار شيء من المعروف مهما تراه قليلًا، فقد يكون فيه نجاتُك، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: {لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ}، وقد دخلت امرأة بغي الجنة في كلبٍ سقته، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: {بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ، كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ}.

      أما باب الخوف: فيدفعك إلى عدم احتقار الذنب؛ لأنه تجاوز في حق الله -عز وجل-، وكما قال أحد السلف: {لا تنظر إلى حقارة الذنب، ولكن انظر إلى عظمة مَن عصيتَ!}، وكان الفضيل بن عياض -رحمه الله- إذا قرأ هذه الآية يقول: {يا ويلتاه! ضجوا إلى الله -تعالى- من الصغائر قبل الكبائر}، فالمؤمن يرى ذنبه كجبلٍ يوشك أن يقع عليه، والفاجر يرى ذنبه كذبابٍ وقع على أنفه، فقال به هكذا، ثم إن السيئة مهما كانت صغيرة فإنها تُكتب عليك وقد يكون فيها هلاكك، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: {دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ}.

نطق الجوارح

      وقد أشار القرآن في مواضع أخرى إلى ما هو أشد من عرض الكتاب، ألا وهو نطق الجوارح، قال -تعالى-: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النور:24)، وقال -تعالى-: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ} (سورة فصلت)، وقال -تعالى-: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (يس:65).

      وفي ذكر ما يدور في يوم الحشر في أعقاب {الباقيات الصالحات{ رابط لا يخفى؛ فهذا هو الذي ينفع في وسط هذه الأهوال؛ لذلك سماها الله: باقيات، أما زينة الحياة الدنيا فشبهها بالماء الذي لا يبقى ولا يدوم أثره، فإذا أردت نجاة في يوم العرض والحشر، فتزود ما شئت بالباقيات الصالحات فهي التي تنفعك يوم التخلي والفراق، قال -تعالى-: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (سورة الشعراء).

الرسالة الرابعة: الشيطان رأس الفتن والشرور

       قال الله -تعالى-: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا}:  يخبر الله -تعالى- عن عداوة إبليس لآدم وذريته، وأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام؛ إكرامًا وتعظيمًا، وامتثالًا لأمر الله، فامتثلوا ذلك الأمر إلا إبليس، فقد رفض السجود تكبرًا على أوامر الله وحسدًا لآدم عليه السلام، فقال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} (الأعراف:12)، وقال: {لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} (الحجر:33)، وقال: {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا} (الإسراء:61)، وقال: {أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} (الإسراء:62).

     والأمر لم يتوقف عند عداوة إبليس لبني آدم فقط، ولكن أخبرنا القرآن أن لإبليس ذرية يسيرون على طريقته ويتبعون منهجه؛ فلا يستقيم لعاقلٍ أن يسلم زمام أمره لعدوه فيواليه، ويترك ولاية الله -عز وجل- التي فيها الخير والفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.

      وفي ذكر إبليس وقصته مع آدم -عليه السلام- في هذا الموضع إشارةٌ لطيفةٌ إلى أن إبليس رأس كل الشرور وسبب كل الفتن، وأن الإنسان لا ينبغي أن يغفل للحظة واحدة عن أصل العداوة بين آدم وذريته وبين الشيطان وذريته؛ لأن الغفلة عن ذلك معناها الانتصار الفوري للشيطان في المعركة التي يريد الشيطان منها إهلاك العبد ودماره.

الرسالة الخامسة: الشريك الخائن

      قال الله -تعالى-: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51) وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا}: يوجِّه القرآن خطابه للمشركين والضالين الذين اتخذوا الشياطين أولياءَ مِن دون الله فعبدوهم وأطاعوهم، بأن الله لم يُشهدهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم؛ فكيف يكونون خالقين لشيءٍ مِن ذلك؟! وكيف يجعل له هؤلاء المضلون شركاءَ من الشياطين وغيرهم مِن المعبودين مِن دون الله، يوالون ويطاعون كما يطاع الله، وهم لم يخلقوا ولم يشهدوا خلقًا؟!

      ولما ذكر الله حال مَن أشرك به في الدنيا، أخبر عن حالهم مع شركائهم يوم القيامة، وأن الله يقول لهم: {نَادُوا شُرَكَائِيَ} أي: نادوا مَن كنتم تظنون أنهم شركاء مع الله، لينفعوكم، ويخلصوكم من الشدائد، وكأنهم ذهلوا عن أنهم في يوم القيامة، فنادوا عليهم بالفعل، ولكنهم لم يردوا عليهم؛ لأن الحكم والملك يومئذٍ لله، بل لا يكون بينهم يومئذٍ إلا العداوة والجفاء كما قال -تعالى-: {وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} (الأحقاف:6)؛ لذلك كان جزاؤهم في الآخرة العذاب الشديد، حتى إذا رأوا النار أيقنوا أنهم داخلوها، ولم يجدوا عنها مصرفا، ولا شافعا لهم يحول بينهم وبين دخولها.

 

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads