رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
childimage

كلمة رئيس التحرير

author1

ها هو ذا رمضان يمر علينا للسنة الثانية ونحن نواجه أخطر تحد، ألا وهو العيش في مناخ طاعون الكورونا، الذي قد أثر

18c
rio scattered clouds humidity:72% wind:7m/s S h19: L18
  • 11c thu
  • 14c fri
  • 15c sat
  • 15c sun
  • 14c mon
عداد الزوار
51
مقالات
Responsive image
21 فبراير، 2022
3 تعليق

مشاهد وعبر من قصــة أصـــحــــــاب الكهــــــــف

 

ما زال حديثنا موصولاً عن قصة شباب الكهف، هؤلاء الفتية الذين لم يكن بينهم سابق معرفة أو صداقة، ولكنَّ الرابطة التي جمعتهم هي رابطة الإيمان والعقيدة، وبغض الشرك وأهله، وما زلنا في استعراض مشاهد القصة، واليوم مع المشهد المشهد الخامس وهو: ميزان العقيدة، ويتضمن هذا المشهد رسائل عدة، وهي: التمسك بالمنهج والثبات على الحق، والرفقة الصالحة، والزمرة الفاسدة، والحق الأبلج، والجزاء العادل.

المشهد كما عرضه القرآن

     قال الله -تعالى-: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}.

رسائل من قلب المشهد

     في هذا الجزء من القصة يعرض القرآن الكريم طرائق الوقاية والعلاج من الفتنة الأساسية التي تعرَّض لها الفتية، وهي: الفتنة في الدين؛ لذلك تحدث القرآن عن التمسك بالوحي بوصفه محورا مهما ورئيسا في مواجهة هذه الفتنة؛ لأن التمسك بالوحي يخلق لدى صاحبه العزة والقوة، ويعطيه المنعة والشوكة.

أهمية الرفقة الصالحة

     والمحور الثاني الذي أرشدتنا إليه الآيات هو: أهمية الرفقة الصالحة؛ فالثبات على الطريق في أوقات الفتن يحتاج إلى صحبةٍ صالحةٍ، تُعين الإنسان على عقبات الطريق المختلفة، وعلى الضد مِن ذلك فإنَّ صحبة الغافلين المفرِّطين لا تزيد الإنسان إلا وحشةً وغربةً، حتى ولو توهَّم أنَّ فيها السعادة والسرور.

ربط ما يدور في الدنيا باليوم الآخر

     والمحور الثالث الذي ختمت به الآيات، هو: ربط ما يدور في الدنيا من خير وشر، ومن هزيمة ونصر باليوم الآخر؛ لأن هذه العقيدة تجعل المؤمن يسير في الدنيا مرتاح البال، مطمئن النفس، فالله -عز وجل- قال عن نفسه: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}؛ فكيف يضطرب فؤاد عبد وهو يعلم أن هناك يومًا تجتمع فيه الخصوم عند الله، ويقتص الله فيه للمظلوم من الظالم؟!

     وهذه العقيدة تُهوِّن على المؤمنين مصائب الدنيا؛ لأن الله حكم عدل، وسوف يقف العباد كلهم أمامه ليجازيهم على أعمالهم في الدنيا، وهو -عز وجل- لا تغيب عنه غائبة ولا تخفى عنه خافية، والمؤمن إما أن يُحصِّل ظَفرًا ونصرًا في الدنيا، فينكسر الباطل أمام عينيه ويندحر الظلم أمام ناظريه، وإمَّا أن يدخر الله له أجره مضاعفًا في الآخرة.

نموذجان متضادان

     ولتوضيح ذلك ذكرت الآيات نموذجين متضادين: نموذج الإيمان، وجزاؤه الجنة بما فيها من نعيم دائم متجدد، لا يفنى ولا يزول، قال الله عنه: {نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا}، ونموذج الكفر، وجزاؤه النار بما فيها مِن عذابٍ وشقاءٍ، وألمٍ وغمٍّ، قال الله في وصفه: {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}.

1- التمسك بالمنهج والثبات على الحق

     قال الله -تعالى-: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا}، والمقصود مِن هذا التوجيه الإلهي للنبي - صلى الله عليه وسلم - الرد على المشركين الذين كان ديدنهم أنهم لا يُبيَّن لهم شيئا إلا وانتقلوا إلى طلب شيء آخر؛ فسألوا عن أهل الكهف، وعن ذي القرنين، ثم طلبوا من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل بعض القرآن للثناء عليهم، فنزل القرآن ليقول للنبي - صلى الله عليه وسلم -: لا تعبأ بهم إن كرهوا تلاوة بعض ما أوحي إليك، واتلُ جميع ما أوحي إليك؛ فإنه لا مبدل له.

العقيدة لا مجاملة فيها

     وكأن الرسالة التي يريد القرآن أن يرسخها في وجداننا، أن العقيدة لا مجاملة فيها، ولا مجال لاسترضاء الكفار بالتنازل عن شيء منها، أو الالتقاء معهم في منتصف الطريق، فالقضية واضحة لا تحتمل حيدة، ولا تنازلًا ولا ترقيعًا؛ فليس مِن حقِّ أحدٍ أن يبدِّل دين الله أو أن يغير شريعته؛ إرضاءً لأحدٍ كائنًا من كان.

     وبما أن المساومة في مثل هذه الحالات تكون شديدة، والتهديد يكون أشد، جاءت تلك الجملة الجامعة الكافية الشافية، وهي قول الله -عز وجل-: {وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} أي: لن تجد مِن دون الله ملجأ يحميك ويحوطك وينصرك، مهما خوفوك أو أرهبوك؛ فالله حاميك وحافظك، ومهما كادوا بك وسَعَوا في إيقاع الضرر بك، فالله ناصرك ومنجيك من شرورهم وبطشهم.

2- الرفقة الصالحة

     قال الله -تعالى-: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، نزلت هذه الآية في أشراف قريش، حين طلبوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يطرد فقراء المؤمنين مِن أمثال: بلال وصهيب وعمار وخباب وابن مسعود -رضي الله عنهم-، أو أن يجعل لهم مجلسًا غير مجلس هؤلاء النفر؛ لأن عليهم جبابًا تفوح منها رائحة العرق، فتؤذي السادة من كبراء قريش! وقد حدَّث النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه في ذلك طمعًا في إيمانهم، فأنزل الله -عز وجل-: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ...}.

الدعوة أعز وأشرف

     فالدعوة أعز وأشرف مِن أن يشترط السادة والكبراء شروطًا جائرة حتى يدخلوها؛ لأنها تقوم على إعلاء قيمة التقوى وهو المعيار الذي يتفاضل الناس على أساسه، وقد هدم الإسلام في نفوس أتباعه أيَّ أمور جاهلية جعلها الكفار معيارًا للتفاضل بين الناس، وهذا الانحراف الجاهلي قد وَرِثته الحضارة الغربية اليوم، ففرَّقت بين الناس على أساس أمورٍ لا دخل لهم بها، ولا قدرة لهم على تغييرها، مثل: الجنس، والعِرق، واللون، بينما أهملت عن عمدٍ معيار العقيدة، رغم أنه يخضع لاختيار الإنسان وإرادته.

ركيزة أساسية

     وتأكيدًا على الضد مِن مراد أكابر قريش، أمر الله -عز وجل- نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يصبر نفسه مع عباد الله المؤمنين؛ وذلك لأهمية الرفقة الصالحة، فهي ركيزة أساسية في مسيرة الدعوة إلى الله -عز وجل-، وفي هذه الآية تعريضٌ بحماقة سادة المشركين الذين جعلوا همهم وعنايتهم بالأمور الظاهرة، وأهملوا الاعتبار بالحقائق، فاستكبروا عن مجالسة أهل الفضل والإيمان؛ بسبب كبرهم وغرورهم، وتعاليهم على غيرهم مِن الخلق.

     إن الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- لابد فيها من رفقة صالحة، حتى ولو كانوا أقل حالًا ومنزلةً وعلمًا من غيرهم؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم  وهو أعلى الخلق منزلة، وأقربهم إلى الله عز وجل، وأشدهم علمًا به سبحانه-، أمره الله بأن يصبر نفسه معهم؛ وذلك لأنهم يخلصون نيتهم لله -عز وجل-، والقرب من أمثال هؤلاء هو النعيم واللذة.

كَدَر الجماعة خيرٌ من صَفو الفرد

     وتأمل في قول الله -عز وجل-: {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ}؛ لتعلم أن كَدَر الجماعة خيرٌ من صَفو الفرد، وإن الإنسان مهما ناله أذى بسبب وجوده في هذه الرفقة الطيبة، فإنه يحتمل ذلك حسبة لله -عز وجل-؛ لأن البديل عن ذلك: إما أن تكون رفقة غير صالحة، يجد فيها الإنسان الكدر الذي يمكن أن يجده في أيّ تجمع بشري، وإما أن يكون المصير إلى الانفرادية والتمحور حول الذات، وهذا الأمر يجر على الإنسان أنواعًا شتى من أمراض القلوب التي يجد الشيطان لها البيئة المناسبة، فيغذيها وينميها في داخل هذا المنفرد فتعظم نفسه في عينه، وتتسرب إليه أمراض إبليس دون أن يشعر.

ثمرات الجماعة

     إن الجماعة -رغم ما قد يكون بها مِن كدرٍ- إلا أنها تُعلِّم هضم النفس، وتنزع عنها أردية الكبر والغرور والتعالي، كما أنها تُعلِّم الصبر والتعاون، وتُنمِّي في النفس روح التواضع وخفض الجناح، والتسامي على حظوظ النفس، وكلما كان التجمع نظيفًا يمتلك العزم والإرادة ويسعى للصلاح والإصلاح، كان أقدر على التأثير الإيجابي في نفوس مَن سيوجدون في هذا التجمع.

 

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads