رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
29 نوفمبر، 2010
3 تعليق

العودة للمربع الأول:البوسنة في الذكرى الـ15 لتوقيع اتفاقية دايتون

 

مرة أخرى تجد البوسنة نفسها، موضوعا للنزاع، كقصة سليمان عليه السلام مع الرضيع وأمه ومدعية الأمومة, رغم مرور 15 عاما على توقيع اتفاقية دايتون. فلا يزال الصرب يتحينون الفرص للانفصال، والكروات يطالبون بكيان

 ثالث يكون هو الآخر مقدمة لتقسيم البوسنة.

بينما يظل المسلمون البوشناق الوحيدين الحريصين على وحدة البوسنة، والاستعداد لبذل الغالي والنفيس لحمايتها. في حين يظل المجتمع الدولي بعيدا عن الحسم في قضية البوسنة، رغم توقيع اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي سنة 2008 م ، وإلغاء تأشيرة دخول مواطني البوسنة إلى منطقة تشينغن، مما أعطى انطباعا خاطئا كما يقول المراقبون للصرب والكروات، ليجددوا مشاريعهم السابقة لتقسيم البوسنة، سواء بشكل صريح، كالدعوة للاستفتاء على الانفصال في الدائرة الصربية، رغم أن اتفاقية دايتون لا تسمح بذلك، أوالزعم الكرواتي بأن اتفاقية دايتون لم تنصفهم؛ لأنهم لم يحصلوا على كيان خاص بهم داخل البوسنة والهرسك.

عدوانية الصرب:

تنص اتفاقية دايتون للسلام التي تم توقيعها في قاعدة دايتون، بولاية أوهايو الأمريكية في 21 نوفمبر1995 م على وجود كيانين، في البوسنة هما «جمهورية صربسكا» (49 في المائة) و»الفيدرالية البوشناقية الكرواتية» (51 في المائة)، لكن الصرب (33 في المائة من عدد سكان البوسنة البالغ نحو 5و4 ملايين نسمة) ما فتئوا يتصرفون كما لو كانوا دولة مستقلة، فقد أقاموا العديد من المكاتب التجارية في بعض الدول، ولا سيما الأرثوذوكسية منها مثل روسيا، واليونان، وبلغاريا، ورومانيا. كما يوقعون اتفاقات استثمار بمنأى عن الحكومة المركزية في سراييفو. ويقيمون طرقا بديلة عن تلك التي تمر عبر أراضي الفيدرالية. ويبنون جسورا على الحدود المائية والترابية التي تربطهم بصربيا. ويطالبون بتقسيم ممتلكات الدولة بين الكيانين؛ لإضعاف الراوبط الضعيفة أصلا بين الكيانين، وبين كيان « جمهورية صربسكا» والدولة البوسنية، وهو الإجراء الذي سبق انفصال الجبل الأسود عن صربيا عام 2006 م. ويرفضون اعتماد مبلغ الأغلبية داخل البرلمان، ومجلس الرئاسة للمصادقة على القرارات المصيرية، ويصرون على إبقاء حق النقض (الفيتو) على أي قرار لا يعجبهم.

وتزامنا مع الذكرى الـ15 لتوقيع اتفاقية دايتون التي أنهت الحرب، ولكنها لم ترس سلاما واستقرارا دائمين في البلاد.. أعلن رئيس وزراء صرب البوسنة، ميلوراد دوديك أن «على جمهورية صربسكا ألا تكون مرتبطة بسراييفو» (أي منفصلة تماما عن العاصمة سراييفو، وعن الحكومة المركزية) وتابع: «جمهورية صربسكا، هي التي ظلت حتى الآن، وما ستبقى عليه في المستقبل» وتعهد بالحفاظ على، جمهورية صربسكا، بمقتضى اتفاقية دايتون، نافيا أي استعداد لتغييرات جوهرية تفقد جمهوريته أيا من الامتيازات التي حصلت عليها قبل 15 سنة.

مناكفة الكروات :

لم يتحدث كروات البوسنة، ولا سيما أكبر حزبين وهما، التجمع الكرواتي الديمقراطي،  والتجمع الكرواتي الديمقراطي 1990، عن مشروع كيان ثالث للكروات، منذ توقيع اتفاقية دايتون، كما يتحدثون عنه هذه الأيام، ولا سيما بعد توقيعهما اتفاقا مشتركا حول نمط السياسة التي يجب أن يتبعاها. وذلك لشعور مختلف الأطراف بما في ذلك الصرب والكروات، بأن هناك حراكا للتغيير في البوسنة، ويخشون أن يمس ذلك بعض ما في أيديهم كالصرب، ويطمعون في تحقيق مشروعهم في كيان ثالث.

ويلقى الكروات دعما غير محدود من صرب البوسنة، ولا سيما من رئيس وزراء صرب البوسنة ميلوراد دوديك، الذي يزعم أن كروات البوسنة، أقاموا فعليا كيانا خاصا بهم، وهو ما يذهب إليه أيضا مستشاره، إيميل فلايكي. مع أن الموقف الدولي، وتحديدا الموقف الأوروبي والأمريكي لا يؤيد هذا المنحى. بل إن الموقف المعلن لزغرب (كرواتيا) ضد قيام كيان ثالث للكروات.

أما رئيس حزب» التجمع الكرواتي الديمقراطي، دراغن تشافيتش فقد أعلن أنه « على استعداد لدفع أي ثمن لتحقيق هدفنا « أي قيام كيان ثالث للكروات داخل البوسنة، وجعل مدينة موستار (120 كيلومترا شرق سراييفو) عاصمة له. ورفض الاعتذار عن الجرائم التي ارتكبها الكروات أثناء الحرب. واعتبر اتفاقية دايتون غير عادلة بالنسبة للكروات».

حكمة البوشناق: إلى جانب رفض البوشناق المطلق لمجرد التفكير في إقامة كيان ثالث للكروات، كما عبر عن ذلك رئيس حزب العمل الديمقراطي، سليمان تيهيتش» نحن نؤيد المساواة بين مختلف الطوائف ولكن لن نوافق على إجراء محادثات بخصوص كيان ثالث في البوسنة» وتابع: «جميع المواطنين يجب أن يكونوا متساوين في كل منطقة في البوسنة، وكل مدينة هي لجميع المواطنين « إلى جانب ذلك فإنهم يأملون في أن تساهم الجهات الضامنة لاتفاق دايتون وهي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى جانب ألمانيا ودول الجوار، في توفير الأجواء اللازمة لإصلاحات دستورية، مما يرسي سلاما واستقرارا دائمين، ويدفع قدما بمسيرة انضمام البوسنة إلى حلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي.

وإدراكا للدورالكبير الذي تقوم به دول الجوار في استقرار البوسنة من عدمه تعهد العضو البوشناقي الجديد في مجلس الرئاسة باكر علي عزت بيجوفيتش، بالتعاون الفعال مع دول الجوار، ولا سيما كرواتيا وصربيا، جاء ذلك على أثر تلاوته القسم الدستوري، على المصحف الشريف، يوم الأربعاء 10 نوفمبر الجاري، وقال باكر علي عزت بيجوفيتش: «نحن نعيش في منطقة شهدت العديد من الاضطرابات والحروب، وهي اليوم تلملم جراحها، وتستعد للدخول إلى الاتحاد الأوروبي» وتابع: «لا يمكن لدول المنطقة أن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي بدون حل المشاكل العالقة، والتعاون بروح الفريق بدون حسابات توسعية» وأضاف: «سيكون من أولوياتي ضم البوسنة إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي؛ لأن العضوية في هاتين المؤسستين من شأنها أن تجلب لنا الأمن والاستقرار والازدهار».

وهناك من البوشناق المسلمين، كوزير خارجية البوسنة الأسبق محمد شاكر بيه، من يعتقد أن «البوسنة الموحدة يجب أن تكون لجميع سكانها، ومن لا يرد العيش فيها بهذا الشكل فيمكنه أن يبحث عن بديل بعيدا عنها» وكان صرب البوسنة قد ذكروا في وقت سابق، أنهم إذا تركوا البوسنة فسيأخذون، جمهورية صربسكا معهم. مما حدا بشاكر بيه للقول: «إذا كان الصرب والكروات يرغبون في تقسيم البوسنة فهي لنا وحدنا» وطالب بتغيير مسمى، جمهورية صربسكا؛ لأن ذلك أحدث مشاكل كثيرة فضلا عن كون الكيان ليس صربيا مائة في المائة ، مما يجعل بقية المكونات على الهامش.

تردد الغرب:

وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، دعت في الذكرى الـ 15 لتوقيع اتفاق دايتون، لحل القضايا الدستورية الكبرى، وقالت: «يتعين على زعماء البوسنة والهرسك حل القضايا الدستورية الكبرى» وتابعت: «في هذه الذكرى نشعر بأنه لا بد من تحقيق السلام من خلال بناء توافق في الآراء بخصوص القضايا ذات الاهتمام المشترك وإيجاد الحلول الوسط من أجل الصالح العام»، ووصفت الاتفاقية بأنها « إنجاز رائع للدبلوماسية الأمريكية» التي «تنتظر بشغف مستقبلا زاهرا وآمنا لدول البلقان داخل منظومة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي» كما طالب البرلمان الأوروبي في لوكسمبورغ، بإجراء تغييرات على الدستور البوسني مع احترام اتفاقية دايتون من أجل تعزيز عمل الحكومة المركزية في البوسنة والهرسك مستقبلا، ومن أجل التسريع بعملية التكامل الأوروبي.

وكل ذلك، كما يقول المراقبون، كلام جميل قد يساعد على تصحيح المسار، بيد أنه غير مؤكد ما لم تتبعه سياسة واضحة للغرب في البوسنة، تعتمد لجم التطلعات التي من شأنها أن تضر البوسنة، أو كما قال أستاذ الفلسفة في جامعة بنيالوكا، ميودراغ جيفانوفيتش، إن «تقسيم البوسنة على أساس القوميات، نهاية لها».

ويمكن اعتبار كلمة عضو مجلس الرئاسة البوسني السابق، حارث سيلاجيتش، ذات دلالات كبيرة عندما أشار إلى أنه كان ينظر لاتفاقية دايتون على أنها استمرار لدولة البوسنة والهرسك، ولكن مع مرور الوقت تبين أنها يمكن أيضا أن تكون أداة لتقسيمها أو تدميرها، مشيرا إلى ما وصفه بمحاولات القفز على اتفاقية دايتون سواء بمساعي الصرب للانفصال، أو الكروات للحصول على كيان ثالث، معلنا ضرورة الإصرار على المادة الأولى من الاتفاقية، والتي تؤكد أن البوسنة والهرسك «دولة مستقلة ذات سيادة بموجب القانون الدولي»، مذكرا بأن الوضع الحالي في البوسنة هو نتيجة للعدوان والتصفية العرقية، وللإبادة، وجرائم الحرب، التي تعرض لها المسلمون في البوسنة والهرسك. وشدد على أن البوسنة في حاجة لدستور ديمقراطي، يتجاوز العرقيات حتى تتمكن من تحقيق المعايير الأوروبية للمواطنة وطبيعة الدولة الحديثة.

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads