رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
4 فبراير، 2020
3 تعليق

ليسوا سواء

 

- البلاء يصيب المؤمن والكافر، ويشير القرآن الكريم إشارة لطيفة إلى الفرق الكبير بين ابتلاء المؤمنين وابتلاء الكافرين؛ فيقول -تعالى-: {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء: 104)؛ فإن كان ألم المعركة الحسي والمعنوي للمؤمنين كذاك للكافرين؛ فالمآل ليس كالمآل؛ فالمؤمنون يرجون ما عند الله -تعالى- من الخير والنعيم والرضا.

- صح عن عائشة -رضي الله عنها- أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الطاعون؛ فأخبرها أنه كان عذابا يبعثه الله -تعالى- على من يشاء؛ فجعله الله -تعالى- رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع في الطاعون، فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد. (البخاري: 5734).

- وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه». (البخاري : 3477 – مسلم : 2573) .

- بل حسم الحبيب صلى الله عليه وسلم الأمر حسما، حينما بين أن أحوال المؤمن كلها خير إذا ما التزم ما يريده الله -تبارك وتعالى- في تلك الأحوال من الهدي؛ فإذا كانت السراء كان الشكر، وإذا كانت الضراء كان الصبر؛ فكان معهما وفيهما الخير كل الخير للمؤمن في الدنيا والآخرة،  وليست تلك المنة العظيمة من الله -تعالى- لأحد إلا لعباده المؤمنين الموحدين.

- قال صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». (مسلم: 2999) .

- وذلك أيضا من الوضوح بمكان في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع؛ من حيث أتتها الريح كفأتها؛ فإذا اعتدلت تكفَّأُ بالبلاء، والفاجر كالأرزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء»، وهذا لفظ البخاري، وفي مسلم: «ومثل الكافر كمثل الأرزة» .

- قال ابن بطال -رحمه الله- يعنى؛ من حيث جاء أمر الله انطاع له، ولان ورضيه، وإن جاءه مكروه رجا فيه الخير والأجر؛ فإذا سكن البلاء عنه اعتدل قائما بالشكر له على البلاء والاختبار، وعلى المعافاة من الأمر والاجتياز، ومنتظرًا لاختيار الله له ماشاء، مما حكم له بخيره فى دنياه وكريم مجازاته فى أخراه، والكافر كالأرزة صماء معتدلة لا يتفقده الله باختبار،  بل يعافيه في دنياه وييسر عليه فى أموره ليعسر عليه فى معاده، حتى إذا أراد الله إهلاكه قصمه قصم الأرزة الصماء؛ فيكون موته أشد عذابًا عليه، وأكثر ألما فى خروج نفسه من ألم النفس الملينة بالبلاء المأجور عليه. (ج : 9، ص : 373) .

- وأخيرًا فإن المصيبة تعم الصالح والفاسد، {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً} (الأنفال:٢٥)، جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا أراد الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم يبعثون على نياتهم»، والسنة الإلهية في تعميم البلاء على البلدان بسبب ظهور الشر، وعدم ظهور مقاومته ظهوراً يليق بمقدار الشر ووزنه في نظر الشرع وتقديره، لا في نظر الناس ولا في تقديرهم، ففي الصحيح قيل: «يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون»؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث»؛ فالكوارث حينئذٍ تعم في الظاهر، إلا أن آثارها على الأفراد تختلف من حال إلى حال، من لطف إلى نكاية أو بهما جميعاً، ولله في ذلك حِكم دقيقة تحير الألباب لدقة لطفه، وكمال علمه، وتمام حكمته، -سبحانه.

3/2/2020م

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads