رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
4 فبراير، 2020
3 تعليق

«احفظ الله يحفظك» حب الأوطان من الإيمان

 

عندما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلقت به خديجة -رضي الله عنها- حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني؛ فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي؛ فقالت له خديجة: يابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى؛ فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا؛ إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجيّ هم؟» قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، تعجب نبينا صلى الله عليه وسلم وقال: «أَوَ مُخْرِجِيّ هم؟ وعجبا، أنا الصادق الأمين، أنا الذي أُمْدَح بين قومي، أُخرج من بلدي»! قال: نعم، ما أتى أحد بمثل ما أتيت به إلا عودي وأُخرِج، يقول السهيلي في شرح هذه الكلمات: هذا يعني عندما استغرب النبي صلى الله عليه وسلم شدة مفارقة الوطن على النفس، يقول: حب الأوطان، حبٌُ فطري متجذر في القلوب.

كيف أُخرج من هذا البلد؟

     النبي -عليه الصلاة والسلام- يستغرب، كيف أُخرج من هذا البلد؟! فيقول الإمام السهيلي: شدة مفارقة الوطن على النفس شديدة جدًا؛ لذلك عندما أُخرج -عليه الصلاة والسلام- من بلده مكة، وقف في الغشاشية كما تسمى اليوم -وهي توسعة الملك عبدالله اليوم- وقف ينظر إلى الكعبة ويقول: «والله إنك لأحب أرض الله إلى الله وإليّ، ولولا أني أُخرجْتُ منك ما خرجت»، كما جاء في صحيح الجامع الصغير في تخريجات الألباني.

     لذلك الله -عزوجل- يطمئن قلب النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد»، يقول ابن عباس - حبر الأمة وترجمان القرآن-: أي إلى مكة، ومن عِظَمِ محبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بلده مكة، وصف الله حاله صلى الله عليه وسلم؛ فقال -تعالى-: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام}؛ فحولت القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، وطمأن الله -عز وجل- قلب النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكان وهو في المدينة -دار الهجرة-، يدعو ربه: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد».

أهل الفِطَر السليمة

     مِن أثمَن الأشياء عند أهل الفِطَر السليمة، حُبُّ البلاد التي وُلِدُوا فيها وعاشُوا على ثَراها، وأكلُوا مِن خيرات الله -جلَّ وعلا- فيها، وإن هذه الحقيقةَ قد أقرَّتْها شريعةُ الإسلام، وأحاطَتْها بحُقوقٍ وواجِباتٍ رِعايةً لمصالِح الدين والدنيا معًا؛ فقد اقتَرَن حُبُّ البلاد والدِّيار عند الإنسان بحبِّ النفسِ، كما هو وصفُ القرآن العظيم، يقولُ -جلَّ وعلا-: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ}(النساء: 66). قال ابن العربي -رحمه الله- عند قصة مُوسَى -عليه السلام- ورجُوعِه بأهلِه: «وفي الرُّجُوع إلى الأوطان تُقتَحَمُ الأغوار، وتُرتكَبُ الأخطار، وتُعلَّلُ الخواطِر».

أعظمِ نِعَم الله

     مِن أعظمِ نِعَم الله على العبدِ: استِقرارُه في بلدِه آمِنًا على نفسِه وأهلِه، عابِدًا ربَّه، مُطِيعًا لخالِقِه، يقولُ صلى الله عليه وسلم: «مَن أصبَحَ مِنكم آمِنًا في سِربِه، مُعافًى في جسَدِه، عنده قُوتُ يَومِه؛ فكأنَّما حِيزَت له الدنيا»(رواه الترمذي، وسنَدُه حسنٌ).

الالتِزامُ بقِيَمٍ فاضِلَة

     إن حُبَّ الأوطان في الإسلام يعني: الالتِزامَ بقِيَمٍ فاضِلَة، ومبادِئ زاكِية. إنه يعني التعاوُن على جَلبِ الخير والصلاح للبلاد وأهلِها، ودفعِ كل فسادٍ وعناءٍ عن الدِّيار وساكِنِيها. يقولُ -جلَّ وعلا-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}(المائدة: 2).

محبَّةٌ وتوادٌّ

     إن حُبَّ البلاد يقضِي بأن يعيشَ كلُّ فردٍ مع إخوانِه في بلادِه بمحبَّةٍ وتوادٍّ، وتراحُمٍ وتعاطُفٍ، استِجابةً لقولِه -جلَّ وعلا-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(الحجرات: 10)، ولقولِه صلى الله عليه وسلم : «مثَلُ المُؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفِهم كمثَلِ الجسَدِ الواحِدِ، إذا اشتَكَى مِنه عُضوٌ تداعَى له سائِرُ الجسَدِ بالحُمَّى والسَّهر»(متفق عليه).

التواصِي بالبرِّ والتقوَى

     إنه الحبُّ الذي يبعَثُ على التواصِي بالبرِّ والتقوَى، والتناصُحِ على ما فِيه خَيرُ الدِّيار وإعمارُ الدار، قال -جلَّ وعلا-: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر}(العصر: 2- 3)، ورسولُنا صلى الله عليه وسلم يقول: «الدِّينُ النَّصِيحة»، قالَها ثلاثًا، قال الصحابةُ: لمَن يا رسولَ الله؟ قال: «لله ولكتابِه ولأئمةِ المُسلمين وعامَّتِهم»(رواه مسلم).

الدِّفاعُ عن دينِها

     حب الأوطان يقتَضِي الدِّفاعَ عن دينِها وعن منهَجِها وثوابتِها، والدِّفاعَ عن أرضِها ومُقدَّراتها، كلٌّ حسب قُدرتِه وطاقتِه ومسؤوليَّتِه، وإلى ذلك يُشيرُ القرآنُ في قوله -جلَّ وعلا-: {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا}(البقرة: 246).

حبُّ البلاد والعباد

     حُبُّ المُسلم لديارِه يجعلُه مُلزَمًا بأن يُحبَّ لبلادِه ووُلاتِها وأهلِها ما يُحبُّ لنفسِه، وأن يرعَى مصالِحَها كما يُحبُّ أن يرعَى مصالِحَه الخاصَّة، ومنافِعَه الذاتيَّة، قال صلى الله عليه وسلم : «لا يُؤمِنُ أحدُكُم حتى يُحبَّ لأخِيه ما يُحبُّ لنفسِه»(متفق عليه).

كفُّ الأذَى والضَّرر

     مِن مفاهِيم حُبِّ البلاد في الإسلام: أن يحرِصَ كلُّ فردٍ مِن أفرادِ المُجتمع على كفِّ الأذَى والضَّرر عن البلاد وأهلِها؛ ففي صحيح السنة مِن حُقوق الطريق: إماطةُ الأذَى، وقد وردَت الأحاديثُ الصحيحةُ عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحذيرِ مِن وضعِ الأذَى في أفنِيَة الناسِ وطُرُقِهم ومنافِعِهم؛ فالمُسلمُ مُطالَبٌ في بلادِه أن يكون كما وجَّهَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «المُسلمُ مَن سلِمَ المُسلمُون مِن لِسانِه ويدِه»، ومِن قواعِدِ الإسلام الكُبرَى: «لا ضررَ ولا ضِرارَ».

الحذر من الخيانة

     ومِن حُقوقِ الأوطان وأهلِها على الأفرادِ: أن يحذَرَ المُسلمُ مِن الخِيانةِ لبلادِه ولوُلاتها ولمُجتمعها، وإن أقبَحَ أنواع الخِيانة استِغلال الوظائِف والمناصِب للمصالِح الشخصيَّة، ومِن أقذَرِ أشكالِ ذلك الفسادُ بشتَّى أنواعِه، ولاسيما الفسادَ المالِيَّ الذي جاءَت النُّصُوصُ بالتحذيرِ الأكيدِ مِنه، {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}(آل عمران: 161)، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: «إن رِجالًا يتخوَّضُون في مالِ الله بغيرِ حقٍّ، فلهم النارُ يوم القِيامة»(رواه البخاري).

التعاوُنُ مع مَن وَليَ أمر البلاد

     ومِن حب الأوطان التعاوُنُ مع مَن وَليَ أمرَ البلاد، بالعمل الصادِقِ معهم في الظاهِرِ والباطِنِ، وأن نعلَمَ أن طاعتَهم في غير معصِيةٍ واجِبٌ مِن واجِبات الشريعة الإسلامية، وأن يحرِصَ كلٌّ مِنَّا على لَمِّ اللُّحمةِ ووحدةِ الصفِّ، وجمعِ الكلِمة، وأن يكون الجميعُ مُجنَّدِين لحِمايةِ البلاد مِن كل مُخطَّطٍ يستهدِفُ الإضرارِ بها والإفساد.

احترام أنظمته وقوانينه

     حب الوطن يظهر في احترام أنظمته وقوانينه، وفي التشبث بما يؤدي إلى وحدته وقوته، وحب الوطن يظهر في المحافظة على منشآته ومنجزاته، وفي الاهتمام بنظافته وجماله، كما أن حب الوطن يظهر في إخلاص العامل في مصنعه، والموظف في إدارته، والمعلم في مدرسته، ويظهر في إخلاص أصحاب المناصب والمسؤولين فيما تحت أيديهم من مسؤوليات وأمانات.

المحافظة على وحدته ولحمته

     إِنَّ مَحَبَّةَ الوطَنِ تَقْتَضِي عَدَمَ الإتْيَانِ بِمَا مِنْ شَأنِهِ المِسَاسُ بِوَحْدَتِهِ وَلُحْمَتِهِ؛ فَالتَّفْرِقَةُ والتَّشَرْذُمُ -لأَيِّ اعْتِبَارٍ كَانَتْ- وَبَالٌ وَمَهْلَكَةٌ، لأَجْلِ ذَلِكَ حَذَّرَ اللهُ -عزَّ وَجَلَّ- مِنْهَا كَثيرًا فِي كِتَابِهِ، يَقُولُ -سُبْحَانَه-: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، وَقَدْ أَخْبَرَ المُصْطَفَى فِي أَكْثَرِ مِنْ مَوقِفٍ، عَلَى أَهَمِّـيَّةِ التَّآلُفِ وَخُطُورَةِ التَّفْرِقَةِ وَالتَّنَازُعِ، مِنْ ذَلِكَ قَولُهُ صلى الله عليه وسلم : «أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَالصَّدَقَةِ»؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «صَلاحُ ذَاتِ البَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ البَيْنِ هِيَ الحَالِقَةُ»؛ فَكَمْ أُهْـلِكَتْ مِنْ قَبْلِنا أُمَمٌ بِسَبَبِ تَنَازُعِهِا، وَامَّحَتْ حَضَارَاتٌ بِسَبَبِ تَفَرُّقِ أَهْـلِهَا.

ليست مجرد كلمة

     إن قيمة الانتماء للوطن إذاً ليست مجرد كلمة تقال، أو أغنية حماسية نرددها في المناسبات، وإنما هي في حاجة مستمرة إلى ترجمة حقيقية لعمل ملموس، يرفع من شأن الوطن، ويعلي من مكانته في السلم وفي الحرب على السواء، ومن هنا؛ فإننا عندما نتحدث عن قيمة الانتماء للوطن فإن ذلك يتطلب منا أن نبرهن دائما على هذا الانتماء بأدلة حقيقية، على أرض الواقع.

 

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads