رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
8 أغسطس، 2010
3 تعليق

الوحدة اليمنية حقيقة شرعية وضرورة حياتية


أ. د. حسن بن محمد شبالة

رئيس مركز الدراسات الشرعية - إب

وأستاذ الحديث والتفسير بجامعة إب

 

إن المتتبع لتاريخ الأمة الإسلامية قديما وحديثا يجد أنها ما وُجدت وصار لها مكانها بين الأمم إلا حينما قامت على هذا الأصل العظيم.

فالناظر في تاريخ الأمة العربية قبل الإسلام، - لم تكن تسمى أمة آنذاك - يجدها قبائل متناحرة، وعصبيات متقاتلة ترضخ لأعدائها من الفرس أو الروم، والقلة القليلة منها تغزو بعضها بعضا، وتقتل بعضها بعضا، وهذا أمر ثابت في تاريخ العرب في الجاهلية، أشار القرآن إليه إشارة واضحة في قوله سبحانه وتعالى: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها} (آل عمران: 103).

فلما جاء الإسلام جمع فرقتهم ووحد صفوفهم على كلمة التوحيد؛ فأصبحوا أمة لها مكانتها بين الأمم فتحت القلوب قبل البلدان، وكانت خير أمة أخرجت للناس.

الوحدة اليمنية خطوة في

طريق الوحدة الإسلامية

وإذا كان من الصعب على المسلمين اليوم أن يجتمعوا بعد هذه الفرقة التي أصابتهم، فإن السعي في توحيد أجزاء من بلدان المسلمين أمر مطلوب شرعا، وحيث إن الله سبحانه قد يسر اجتماع واتحاد شطري اليمن عام 1990م، فإن المطلوب شرعا هو دعم هذه الوحدة والحفاظ عليها وتقويم مسيرتها ومعالجة جوانب النقص فيها، وبيان المقومات الشرعية لها والعمل بها حتى تصبح حقيقة شرعية لا يتطرق الشك إليها.

 

< مقومات الوحدة اليمنية حتى تكون حقيقة شرعية

- الاجتماع والاتحاد على تحكيم شرع الله سبحانه وتعالى، ونبذ ما يخالفه، قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} (آل عمران: 103).

و«حبل الله» في قول كثير من المفسرين هو: الإسلام، والقرآن والهدى الذي جاء به محمد [.

قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: «يريد بذلك تعالى ذكره: وتمسكوا بدين الله، الذي أمركم به وعهده الذي عهد إليكم في كتابه من الألفة والاجتماع مع كلمة الحق والتسليم لأمر الله».

لن تقوم للأمة قائمة إلا بالرجوع إلى الاجتماع على الحب فيه والبغض فيه، والولاء والبراء ممن أمرنا الله تعالى بالبراء منه، وعندئذ يفرح المؤمنون.

أما الحزبية ذات المسارات والقوالب المستجدة التي لم يعهدها المسلمون ولا يقرها دينهم، فهي من أعظم الأسباب للتفرق والاختلاف، وكم أوهت المجتمع المسلم وشتت شمله في قديم الدهر وحديثه، والله المستعان.

- العدل، وهذا الأصل العظيم من الأصول التي تحمي المجتمع من الفرقة والاختلاف والتمزق فإن الظلم من أعظم أسباب الفرقة، والعدل من أعظم أسباب الاجتماع والألفة والمحبة بين المسلمين؛ قال تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} (النحل: 90)، فأمر سبحانه وتعالى بالعدل وأوجبه على العباد، ويشمل ذلك العدل في حقه سبحانه وتعالى وفي حق عباده:

فالعدل في حقه هو توحيده، وأداء العبد ما افترضه الله عليه من حقوق تتعلق بالله سبحانه وتعالى من الواجبات، وترك المنهيات ونحوها.

والعدل في حق عباده هو إعطاء كل ذي حق حقه وإحسان معاملتهم، وعدم ظلمهم أو أخذ حقوقهم.

ثم أمر سبحانه وتعالى بالإحسان في عبادته، كما أمر بالإحسان في معاملة خلقه، وهو أبلغ من العدل وأعلى منه؛ لأن العدل: إعطاء الحق، والإحسان: الإتقان في استخدام أحسن الوسائل وأنفعها للوصول إلى العدل.

 

< الوحدة اليمنية ضرورة حياتية

 

الضرورة هي: الحاجة، والضروري: ما اتصلت الحاجة إليه إلى حد الضرورة.

وهذا يعني أن الاجتماع والاتحاد بين المسلمين يمثل ضرورة من ضرورات الحياة المستقرة السعيدة؛ فالفرقة والاختلاف عذاب وشقاء والوحدة والاجتماع رحمة وسعادة.

والمتتبع للسنن الكونية يجد أن المخلوقات كلها تحب أن تعيش مجتمعة كل صنف مع ما يماثله أو يشابهه، وقد ذكر لنا الله سبحانه أنه جعل الخلائق أمما، قال سبحانه: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم} (الأنعام: 38)؛ لأن ضرورة الحياة تقتضي الاجتماع والتعاون والتناصر.

بل إن القوة تكون مع الاجتماع، والضعف يكون مع التفرق والاختلاف، قال سبحانه: {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} (الأنفال: 46).

قال ابن عاشور: «لما كان التنازع من شأنه أن ينشأ عن اختلاف الآراء، وهو أمر مرتكز في الفطرة بسط القرآن القول فيه ببيان سيئ آثاره، فجاء بالتفريع بالفاء في قوله: {فتفشلوا وتذهب ريحكم} فحذرهم أمرين معلوما سوء مغبتهما، وهما الفشل وذهاب الريح.

والفشل: انحطاط القوة.. وهو هنا مراد به حقيقة الفشل في خصوص القتال ومدافعة العدو، ويصح أن يكون تمثيلا لحال المتقاعس عن القتال بحال من خارت قوته وفشلت أعضاؤه، في إنعدام إقدامه على العمل، وإنما كان التنازع مفضيا إلى الفشل؛ لأنه يثير التغاضب ويزيل التعاون بين القوم، ويحدث فيهم أن يتربص بعضهم ببعض الدوائر، فيحدث في نفوسهم الاشتغال بإتقاء بعضهم بعضا، وتوقع عدم لقاء النصير عند مآزق القتال؛ فيصرف ذلك الأمة عن التوجه إلى شغل واحد فيما فيه نفع جميعهم، ويصرف الجيش عن الإقدام على أعدائهم، فيتمكن منهم العدو، والريح حقيقتها تحرك الهواء وتموجه، واستعيرت هنا للغلبة، وأحجسب أن وجه الشبه في هذه الاستعارة هو: أن الريح لا يمانع جريها ولا عملها شيء فشبه بها الغلب والحكم.. والمعنى: وتزول قوتكم ونفوذ أمركم وذلك؛ لأن التنازع يفضي إلى التفرق، وهو يوهن أمر الأمة».

 

ولذلك نجد الأمم الكافرة حريصة على الاجتماع والاتحاد مع قوتها؛ إيمانا منهما بهذه الحقيقة، فهذه دول أوروبا، تسعى للاتحاد، بل قد فعلت وقطعت شوطا كبيرا فيه، مع اختلاف أديانها ولغاتها وعاداتها وتقاليدها. فالمسلمون أولى بهذه الحقيقة من غيرهم، وأهل اليمن يجب أن يدركوا
أنهم أولى بالوحدة والاجتماع من غيرهم؛ لأن الأصل فيهم الاجتماع والانقسام بين شطري اليمن حادث.

فهم بحاجة إلى الوحدة لتقوم حياتهم وتجتمع قوتهم ويزدهر اقتصادهم، فيعيشوا حياة كريمة في ظل الإسلام والاجتماع عليه.

 

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads