رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
8 يونيو، 2016
3 تعليق

قمة تشاورية في ظروف استثنائية لدول مجلس التعاون الخليجي

تعد تلك القمة الأهم على الإطلاق ضمن لقاءات القمة السابقة، نظرًا للتغيرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة، وتعاظم الأخطار التي تحيط بمنطقة الخليج من كل جانب

قادة دول المجلس اعتمدوا توصية بشان آلية تنفيذ رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لتعزيز العمل الخليجي المشترك وتقوية التكامل والتلاحم بين دول المجلس وشعوبها

أمير الكويت: نتائج القمة مثمرة، ونسأل الله أن تتكلل بالتوفيق والسداد لتعزيز أواصر العلاقات التاريخية والحميمة بين دول المجلس لتحقيق تطلعات الشعوب الخليجية نحو المزيد من النمو والرقي والازدهار والمساهمة في خدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية

ناقش القادة التطورات السياسية في المنطقة فضلا عن العلاقات مع إيران وضرورة التزامها بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة

 

عقد قادة ورؤساء وفود دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الأسبوع الماضي لقاءهم التشاوري الـ16 بمشاركة صاحب السمو الأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، وترأس خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود اللقاء الذي عقد في جلسة مغلقة بمركز الملك عبدالله الدولي للمؤتمرات في جدة واستمر ساعات عدة.

قمة غير عادية

     وتعد تلك القمة -على وجه الخصوص- الأهم على الإطلاق ضمن لقاءات القمة السابقة، نظرًا للتغيرات الكبيرة التي تشهدها المنطقة، وتعاظم الأخطار التي تحيط بمنطقة الخليج من كل جانب على الأصعدة كافة: السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، وفي الوقت الذي لم تعد فيه دول المجلس دولاً هامشية، يقتصر دورها على تقديم المساعدات المالية، والجلوس في المقاعد الخلفية لحافلة القرار العربي فقط، بل أصبحت تلك الدول صاحبة قرار سيادي في المنطقة وصانعة لتوجهاتها المستقبلية.

قضايا ساخنة

ولا شك أن هناك قضايا ساخنة أضفت على هذه القمة الأهمية التي ذكرنا، ومنها كما أشار أحد المحللين ما يأتي:

- أولاً: أزمة الحج المتفاقمة بسبب موقف إيران من الحج، وإصرار على قيام الحجاج الإيرانيين بالمظاهرات، وبرغم التنازلات السعودية التي جرى تقديمها بخصوص إصدار التأشيرات في طهران عبر السفارة السويسرية، والسماح بنقل الحجاج على ظهر طائرات إيرانية، إلا أن المسؤولين الإيرانيين أصروا على تعنتهم وموقفهم.

- ثانياً: الأزمة اليمنية التي لم تنته بعد ولا سيما بعد مضي عام وثلاثة أشهر على (عاصفة الحزم) التي انطلقت في اليمن.

- ثالثاً: الأزمة الاقتصادية الحادة نتيجة تراجع النفط وعوائده، والعجوزات الضخمة في الميزانيات وتآكل الأرصدة المالية الاحتياطية.

- رابعاً: إصدار الكونغرس الأمريكي قانوناً يعطي الحق لأهالي ضحايا هجوم التجارة العالمي بمقاضاة المملكة العربية السعودية أمام المحاكم الأمريكية طلباً للتعويضات؛ الأمر الذي قد يترتب عليه تجميد الأرصدة السعودية الرسمية، وربما غير الرسمية في الولايات المتحدة، لتسديد تعويضات قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات.  

 أعمال القمة

     وفيما يتعلق بأعمال القمة، فقد ناقش قادة دول مجلس التعاون خلالها ما تم إنجازه في إطار التكامل والتعاون بين دول المجلس وسبل تعزيزه وتطويره في جميع المجالات، فضلا عن التطورات التي تشهدها المنطقة والمستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، وأقر قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في لقائهم التشاوري إنشاء هيئة عالية المستوى للشؤون الاقتصادية والتنموية تتولى استكمال مشروعات التكامل الاقتصادي بين دول المجلس.

     وفي هذا السياق أوضح وزير الخارجية السعودي عادل الجبير في مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لمجلس التعاون د.عبداللطيف الزياني أن الهيئة الجديدة تتمتع بصلاحيات كبيرة واسعة لدراسة القرارات بشأن المشروعات وإتخاذها ورفع توصيات بشأنها إلى قادة دول لمجلس لاعتمادها، وأشار إلى أن هذه الهيئة ستعمل على استكمال خطوات المشروعات التكاملية ولاسيما الاتحاد الجمركي، والسوق الخليجية المشتركة وغيرها من المشاريع الحيوية لتعزيز العمل الخليجي المشترك.

رؤية خادم الحرمين

     وأفاد الجبير بأن قادة دول المجلس اعتمدوا توصية بشان آلية تنفيذ رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز لتعزيز العمل الخليجي المشترك وتقوية التكامل والتلاحم بين دول المجلس وشعوبها، كما اعتمدوا عقد قمة خليجية - بريطانية سنوية على غرار القمة الخليجية- الأميركية؛ بحيث تعقد بالتناوب بين دول المجلس وبريطانيا لإضفاء طابع رسمي على هذه العلاقات، مبينا أن هذه القمة تستهدف الارتقاء بالعلاقات بين بريطانيا ودول الخليج إلى آفاق أرحب للتعاون والتنسيق المشترك في المجالات كافة.

التطورات السياسية في المنطقة

     كما ناقش القادة التطورات السياسية في المنطقة ولاسيما في سورية، والعراق، واليمن، وليبيا، وعملية السلام في الشرق الأوسط، فضلا عن العلاقات مع إيران وضرورة التزامها بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة ووقف دعمها للإرهاب.

     وفي هذا السياق أكد الجبير أن مشاورات السلام اليمنية تجري على أساس تطبيق مخرجات الحوار الوطني وقرارات مجلس الأمن والمبادرة الخليجية عبر وقف إطلاق النار وتسليم السلاح وعودة القيادة والحكومة الشرعية لليمن، معربًا عن الأمل في أن تحقق المفاوضات المزيد من التقدم لإعادة السلام والأمن والاستقرار في اليمن، مشيرا إلى أن المملكة العربية السعودية توصلت إلى تفاهم لوقف العمليات العسكرية على حدودها الجنوبية مع اليمن «من أجل تسهيل وصول المساعدات الإغاثية والطبية»، لافتا في الوقت نفسه إلى «حدوث خروقات للهدنة من وقت لآخر، وشدد على أن موقف المملكة هو «ضرورة التركيز على التوصل إلى حل سياسي للأزمة في اليمن، وهو ما أعلنته منذ اليوم الأول لإطلاق عملية (عاصفة الحزم) لإعادة الشرعية».

مبادرة السلام العربية

وبشأن مبادرة السلام العربية، أكد الجبير أن الوقت مايزال مبكراً لتقييم جدية إسرائيل التي أعلن رئيس وزرائها موافقته على مبادرة السلام العربية، وقال: إن الأحداث الدائرة حالياً في كل مكان أثبتت أن دول الخليج مصدر استقرار في المنطقة.

إشادة بجهود أمير الكويت

     من جانبه قال الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عبداللطيف الزياني: إن قادة دول المجلس أشادوا خلال لقائهم التشاوري الـ16 في جدة بجهود صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد لإنجاح المشاورات بين الأطراف اليمنية التي تستضيفها الكويت حاليا برعاية الأمم المتحدة.

الهيئة نقلة نوعية

     وأكد الزياني أن هيئة الشؤون الاقتصادية والتنموية التي أقرها قادة دول مجلس التعاون في هذه القمة تمثل نقلة نوعية كبيرة لتطبيق القرارات الاقتصادية التكاملية بين دول المجلس، لافتا إلى أن الهيئة ليست عادية، وإنما تعد هيئة رفيعة المستوى، لها صلاحيات إجرائية وتنفيذية واسعة، وترفع توصياتها مباشرة إلى قادة دول المجلس لإقرارها.

     وشدد الزياني على أن التكامل الاقتصادي يُعد عنصرا أساسيا في تعزيز مسيرة العمل الخليجي المشترك؛ ولذلك جاء إنشاء هذه الهيئة لتسريع الخطوات التكاملية بين دول المجلس، وتذليل العقبات التي تواجه مشاريع التعاون والتكامل الاقتصادي، ومتابعة تنفيذ قرارات المجلس الأعلى الخليجي في المجال الاقتصادي.

برقية شكر

     من جانبه بعث صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد ببرقية شكر لأخيه خادم الحرمين الشريفين الملـك سلمـان بن عبـدالعزيـز آل سعود  أعرب فيها عن خالص شكره وعظيم تقديره؛ لما حظي به سموه والوفد المرافق له من وافر الرعاية وكرم الضيافة خلال زيارة سموه للمملكة العربية السعودية الشقيقة لترؤس وفد الكويت في اللقاء التشاوري السادس عشر لأصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

     وثمّن سموه ما أسفر عنه هذا اللقاء من نتائج مثمرة تكللت بالتوفيق والسداد لتعزيز أواصر العلاقات التاريخية والحميمة بين دول مجلس التعاون الخليجية، ولتحقيق تطلعات شعوب دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية نحو المزيد من النمو والرقي والازدهار والإسهام في خدمة قضايا الأمتين العربية والإسلامية.

ماذا بعد القمة

لا شك أن القمة -كما ذكرنا- تأتي في وقت عصيب تمر به الأمة؛ لذلك هناك مسؤوليات جسام تقع على عاتق وملوك دول مجلس التعاون الخليجي أمرائه، تلك المنظومة الوحيدة التي ما زالت متماسكة في المنطقة، ومن هذه التحديات :

التحديات الإقليمية

     حيث نجد أن مجلس التعاون الخليجي أمام ملفين مهمين هما التعاون الخليجي والعربي والأمن في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة العربية في الوقت الراهن، ولا شك أن هذه الأحداث قد فرضت نفسها وبقوة على الساحة الخليجية، وسط آمال كبيرة بأن يقدم مجلس التعاون حلولا للمساعدة في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة في ظل النجاحات المتلاحقة التي حققها المجلس في هذا الخصوص في الفترات الأخيرة في اليمن وسوريا على سبيل المثال.

الملف الشائك

     كما يعد الملف الإيراني التحدي الأكبر أمام دول المجلس؛ حيث كان النهج الذي تسير عليه دول الخليج في هذه القضية منذ زمن طويل هو ضرورة تغليب لغة الحوار والدبلوماسية بين الأطراف المعنية ومطالبة طهران بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول الخليج، مع مناشدة طهران بضرورة التعاون مع المجتمع الدولي في الحوار بشأن برنامجها النووي المثير للجدل بصراحة ووضوح على اعتبار أن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديدًا خطيرًا للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، في الوقت الذي ترفض دول الخليج بشدة الممارسات الإيرانية المستفزة بتأجيج الصراعات الطائفية إقليميا، وتدخلها في دول الصراع مثل سوريا واليمن.

تحديات اقتصادية

     فضلا عن هذه الملفات ثمة تحديات أخرى ستواجه دول مجلس التعاون في الفترة القادمة ولعل أبرزها شبح الركود العالمي الذي بدأت ملامحه تلوح في الأفق مع انخفاض أسعار النفط، ويتوقع الاقتصاديون أن تزداد مشكلات التجارة العالمية، ومن المعروف أن دول الخليج قد تبنت اتجاها لإقامة مناطق تجارة حرة مع عدد من الدول منها: الآسيوية والأوروبية، ونفذت بالفعل دراسة جدوى للدول الراغبة في إقامة مناطق تجارة حرة معها، وأنه في ضوء هذه الدراسة ستتم الموافقة على الدول المجدية اقتصاديًا للخليج.

تفعيل الرؤية الاقتصادية

     وتأمل دول الخليج العربي من خلال رؤيتها الاقتصادية في أن تزداد التعاملات التجارية بين دول المجلس والعالم؛ حيث تسهم هذه الزيادة في توسيع الاستثمارات وتنميتها في دول الخليج العربي مع توافر كافة العناصر المشجعة على الاستثمار داخلها، وقد عملت المملكة العربية السعودية على سبيل المثال على تطوير هذه الرؤية؛ حيث دفعت القيادة السعودية باتجاه زيادة الاستثمار وتنويع مصادر الدخل وتنمية العائدات غير النفطية؛ حيث يحقق ذلك النمو الاقتصادي في ظل التزام حكومة المملكة بالعديد من المشروعات التنموية في مجالات البنية التحتية والمياه والكهرباء والإسكان،  فضلا عن المشروعات الصناعية الواعدة، ويساعد قيام الاتحاد الجمركي الخليجي على العمل بالتصنيف الدولي الجديد لتسهيل الأعمال الجمركية والإحصائية في الاتحاد الجمركي بما يساعد على نمو التجارة البينية والدولية، وجمع ومقارنة وتحليل الإحصائيات الخاصة بتجارة دول مجلس التعاون فيما بينها ومع بقية دول العالم.

أضف تعليقك