رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
30 مايو، 2016
3 تعليق

عواقــب التغيـيـر

جُبلت النفس البشرية على حب التغيير، فبعضه يكون له نفع وخير كبير، وبعضه يكون فيه انتقام وإيذاء وظلم، وبعضه يقوم على أسس عاطفية وليس وفق مبادئ شرعية، دقيقة، وثابتة بنصوص محكمة.

دعوات التغيير كلها التي نسمعها في الشارع العربي تستهدف إعادة النظر في أوضاع عديدة، مقارنة مع الدول، ومقارنة مع المكاسب ومقارنة مع الأهواء أحيانا..

- وأول ما نرتكز عليه أن الدين الإسلامي كامل وشامل؛ لأنه من عند الله تبارك وتعالى، ولم يترك لنا شيئا إلا وبصرنا به، أما منهجية الدول كلها  ففيها إيجابيات وسلبيات، فالإيجابيات تعزز، والسلبيات تغير ولكن لابد من الرجوع إلى الوسائل والأساليب بما هو متاح ومباح؛ حتى لا يحدث إنكار أشد منه وأضرار تعود في الحال أو المآل. قيل للحسن البصري- رحمه الله- إن رجلا رأى منكرا فأراد تغييره، وكان قصده طيبا، لكنه أغفل وسيلة التغيير الشرعية، فوصفه الحسن بالمسكين تنبيها على سفاهة عقله.

- الهدف من التغيير هو إقامة دين الله -عز وجل- ففي حديث مسلم أن النبي[ قال: «من قتل تحت راية عمية يغضب للعصبة، ويقاتل للعصبة، فليس من أمتي»، وفي لفظ: «فقتلة جاهلية»؛ أي أن سعيه هدر، وليس على طريق صحيح؛ لأن الذي يقوده الهوى والعصبية والجاهلية ثم الشيطان والكبرياء، ويحسب أنه يحسن صنعا؛ فكثير ممن يريدون تغييرا لايتحدثون عن إقامة دين الله، ولا عن إحقاق حق وفق شرع الله، أو إبطال باطل أبطلته النصوص، فلا بد من التدقيق في الراية المرفوعة للتغيير وتوجيهها حسب ما يقتضيه الشرع، فكم من مريد للخير لا يبلغه.

- والتغيير المشروع لاتزهق فيه أرواح، أو تحدث فيه فوضى أو مواجهات أو فتن أو دماء أو خسائر؛ فهذه ليست من ضمن المقاصد الحكيمة، قال جندب: «واتقيها» يعني اتقِ أن تزهق نفسك أو نفس غيرك، أو تعطل مصالح المسلمين، أو تأتي بمستقبل مرير بعد الفوضى التي أحدثتها، فأين كلمة الله لتكون هي العليا؟ وكلمة ما دونه السفلى؟

- فإذا اتفقنا أن الوسيلة سليمة، والراية شرعية واضحة، يبقى أن نبحث في عواقب التغيير هل هي مأمونة أم لا؟ الإسلام يبحث في العواقب والمآلات، وقد ذمت النصوص العجلة والطيش، وحثت على الحكمة والتروي والتأني، وقد حذر النبي[ من أن تجعل العوام والدهماء في الحكم فيقودوك، بل أنت من تنزع عنهم فتيل العداوة والبغضاء وتوغير الصدور، وبعدها تأتي الجموع بتصرفات لايحكمها أحد.. فمن المعروف أنه كلما اقترب الزمن من الآخرة، زادت الفتن، ويسلط الله على الشعوب أناسا يحملون الظلم أو إحداث الخصومات وغيرها، ففي حديث حذيفة عن الفتنة «قال: قلت : يارسول الله، أبعد هذا الخير شر؟ قال:«تكون  فتنة عمياء صماء عليها دعاة على أبواب النار، فإن تمت ياحذيفة وأنت عاض على جذل خير لك من أن تتبع أحدا منهم» رواه أحمد، والجذل: هو أصل الشجرة، والفتنة العمياء والصماء التي لايرى منها مخرج ولايوجد دونها مستغاث، أو أن يقع الناس فيها على غرّة من غير بصيرة، فيعمون فيها ويصمّون عن تأمل الحق واستماع النصح».

     وقال صلى الله عليه وسلم: «تكون فتنة تستنظف العرب قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف»؛ لأن اللسان يثير الناس ويهيجهم، فيدفع منهم الألوف لنصرة تلك الكلمات التي هزتهم غير مدركين لعواقب هذا الذي انساقوا إليه؛ فيحدثون بسبب تلك الكلمات ما لا تحدثه السيوف..

وقال عبدالله بن مسعود: «إنها ستكون أمور تنكرونها فعليكم بالتؤدة، فلأن أكون تابعا في الخير أحب إلى من أن أكون رأسا في الشر».

- كان الصحابة -رضي الله عنهم- يخشون من ثلاثة أمور في أجواء الفتن:

أن تسبب كلمتهم فرقة الجمع، وأن يخشوا من أن تسفك الدماء، كما هو معتاد بعد وقوع الفرقة، وأن يخشوا أن يُحمل كلامهم على غير ما أرادوا.

- مطرف بن عبدالله عندما جاءه أحد أطراف الفتنة في زمانه قال على سبيل التعليم والتنبيه: «ياهؤلاء إنه لو كانت لي نفسان تابعتكم بإحداهما وأمسكت الأخرى، فإن كان الذي تقولون هدى أتبعتها بالأخرى، وان كانت خلافه هلكت نفس وبقيت لي نفس، ولكنها نفس واحدة، وأنا أكره أن أغرر بها».

- فانظر -يارعاك الله- إلى التغيير المندفع والتهييج والإثارة، كم أشعلت دولا، وسفكت الدماء، ودمرت مساحات واسعة من البلدان! وعندها لاتستكين الفتنة ولا تطفأ.

وعليه فالواجب على العلماء وطلبة العلم أن يكونوا صرحاء في الأمور العظام، سعيا لإبراء الذمة، وإطفاء الفتنة، وإن عاتبهم العاتبون، ولامهم اللائمون، فقد قال ابن مسعود -رضي الله عنه- «ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة».

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads