رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
28 مارس، 2016
3 تعليق

هجمات (بروكسل) تُخلَّف أكثر من 250 بيـن قتيـل وجريــح- الإرهاب الأسود يضرب أوروبا من جديد

ألقت التفجيرات بظلال قاتمة على أوروبا؛ حيث أعلنت كثير من الدول تعزيز إجراءاتها الأمنية في المطارات ومحطات القطارات والمناطق الحيوية فيها ورفعت مستوى الإنذار إلى أقصى درجة

إذا كنا جادين فعلا في علاج سرطان الإرهاب، فإننا لابد أن نحترم أبعاده كافة، وأن نضع المنظومة العلاجية الشاملة له، وليست الانتقائية أو الجزئية

العالم كله اليوم أمام مسؤولية إنسانية مشتركة، لنشر وفرض ثقافة السلام والعدالة وحقوق الإنسان الأساسية

تلاعب العالم بمحنة الشعب السوري، واستسهل الأرقام التي تمثل جثثا لبشر من ضحايا بشار الأسد وطغمته الأمنية والعسكرية

 

لم يكد البلجيكيون يهنؤون بخبر اعتقال صلاح عبد السلام المشتبه به بوصفه أحد العناصر الرئيسة في الهجمات التي ضربت العاصمة الفرنسية باريس بعد مطاردة دامت أكثر من أربعة أشهر، حتى استيقظوا صباح الثلاثاء الماضي، على دوي انفجارات ثلاث ضربت العاصمة البلجيكية (بروكسل)، واستهدفت نقاطاً حساسة عدة بينها مطار (زافينتم)، ومحطة لقطار الأنفاق وسط ما يعرف بالحي الأوروبي وتحديدًا بين مقري المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي، وأدت إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى.

     وقد أدت هذه التفجيرات إلى سقوط 212 جريحًا، وقتل أكثر من 30 شخصًا؛ حيث وقع تفجيران في مطار بروكسل بالقرب من بوابة المسافرين إلى الولايات المتحدة، حسبما أفادت الإذاعة الرسمية (آر بي تي إف) الناطقة بالفرنسية استنادًا إلى شاهد أضاف أن «أشخاصا كثيرين كانوا مضرجين بالدماء».

كما استهدف تفجير محطة (مالبيك) لدى وصول القطار أثناء ساعة الذروة الصباحية، وخلَّف حسب تقارير إعلامية بلجيكية 20 قتيلا وعشرات الجرحى، وفور وقوع الانفجارات شلت الحركة في (بروكسل)؛ حيث أغلق المطار، وأوقفت حركة وسائل النقل.

تنظيم الدولة يعلن مسؤوليته

     وفي هذا السياق أعلنت وكالة أعماق التابعة لـ تنظيم الدولة الإسلامية مسؤولية التنظيم عن الهجمات، وقال تنظيم الدولة: إن مجموعة من مقاتليه نفذوا هجمات بعبوات وأحزمة ناسفة استهدفت كلا من المطار ومحطة المترو الرئيسة في العاصمة البلجيكية، وأوضح البيان أن المهاجمين أطلقوا نيران أسلحتهم داخل مطار (زافنتم) قبل أن يفجروا أحزمتهم الناسفة، وأكد أن الهجوم على محطة مترو (مالبيك) نفذه شخص فجّر حزامًا ناسفًا، ووفقا لتنظيم الدولة، فقد أسفرت الهجمات عن سقوط أكثر من مئتين وثلاثين بين قتيل وجريح.

خلل أمني

     وأدت هذه التفجيرات إلى شلل كثير من جوانب الحياة في القلب الإداري لأوروبا، وتداعت لها الكثير من بلدان الجوار ولاسيما فرنسا، كما تركت سيلاً من الأسئلة حول قدرات التنظيمات (المتطرفة) في أوروبا ومدى قدرة الأجهزة الأمنية وغيرها على مكافحة هذا الإرهاب الأسود.

     وتؤكد تلك التفجيرات أن سؤال الأمن بات مسألة عالمية، وأن التفجيرات أصبحت لغة عابرة للحدود وقادرة على الانتقال من قارة إلى أخرى؛ فقبل أيام قليلة كانت الجزائر مسرحًا لهجوم على حقل غاز بعد سلسلة عمليات في دول أخرى بقارة أفريقيا كان أكثرها دموية في مدينة (بنقردان) جنوب تونس سقط فيها عشرات القتلى.

رفع مستوى الإنذار

     ورفعت السلطات البلجيكية مستوى الإنذار من خطر (إرهابي) إلى أقصى درجة في أنحاء البلاد، وقال المتحدث باسم الداخلية (جان جامبون): إن مستوى الإنذار رفع للدرجة الرابعة، وهي الدرجة القصوى في بلجيكا، ودعت السلطات السكان إلى عدم التنقل، وملازمة أماكنهم، ووصف رئيس الوزراء البلجيكي شارل ميشيل الهجمات بأنها (غاشمة وجبانة) معتبرًا أنها لحظة سوداء في تاريخ بلادنا، وندعو المواطنين للتضامن والهدوء، مؤكدًا أنه جرى نشر تعزيزات عسكرية، كما تجري عمليات تدقيق على الحدود.

ظلال قاتمة

     وألقت تلك التفجيرات بظلال قاتمة على العواصم والمدن الأوروبية؛ حيث أعلنت دول من القارة تعزيز إجراءاتها الأمنية في المطارات ومحطات القطارات والمناطق الحيوية فيها، ووضعت ألمانيا قوات النخبة على أهبة الاستعداد، كما أدانت دول ومنظمات التفجيرات التي ضربت العاصمة البلجيكية، وكانت الدول الأوروبية قد اتخذت إجراءات أمنية مشددة عقب الهجمات، ونشرت قوات أمنية مكثفة لتأمين المواقع الحساسة مثل المطارات الرئيسة ومحطات النقل؛ وهو الأمر نفسه الذي دفع روسيا أيضا إلى إعادة النظر في الإجراءات الأمنية بمطارات البلاد والقطارات، وفي هذا السياق، حذرت وزارة الخارجية الأميركية مواطنيها من وجود «مخاطر محتملة» إذا رغبوا في السفر إلى أوروبا أو عبرها.

إدانات عربية

من جانبها أدانت دول ومؤسسات عربية عدة تلك الهجمات الإرهابية؛ حيث استنكر الأمين العام لـجامعة الدول العربية نبيل العربي (التفجيرات الإرهابية) وقال: إنها «خسيسة وتستهدف زعزعة أمن العالم أجمع واستقراره».

     كما أدان الأزهر تلك التفجيرات؛ حيث جاء في بيان له: إن «الإقدام على هذه الجرائم النكراء يخالف تعاليم الإسلام السمحة وكافة الشرائع السماوية والأعراف الإنسانية، وحذرت المؤسسة الدينية العريقة مجددًا من أنه «إذا لم تتوحد جهود المجتمع الدولي للتصدي لهذا الوباء اللعين فلن يكف المفسدون عن جرائمهم البشعة بحق الأبرياء الآمنين.»

كما أدان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني في بيان له تلك التفجيرات، وكذلك أدانت هيئة كبار العلماء في السعودية تلك الهجمات الإرهابية.

     كما أعربت دولة الكويت عن إدانتها واستنكارها الشديدين للهجمات الإرهابية، وأكد مصدر مسؤول في وزارة الخارجية في تصريح صحافي «وقوف دولة الكويت إلى جانب مملكة بلجيكا ودعمها لجميع الإجراءات التي تتخذها في سبيل الحفاظ على أمنها واستقرارها»، مجددا التأكيد على «موقف دولة الكويت الثابت المناهض للإرهاب بأشكاله وصوره وأيا كان مصدره، واختتم المصدر تصريحه بالإعراب عن خالص التعازي وصادق المواساة لأسر الضحايا وتمنياته للمصابين بالشفاء العاجل.

إدانة دولية

كما تولت الإدانات الدولية للتفجيرات حيث ندد الرئيس الفرنسي بها، وأكد على تضامن بلاده مع بلجيكا في مواجهة (الإرهاب)، معتبرا أن الإرهاب ضرب بلجيكا لكن أوروبا كلها مستهدفة.

من جهتها، قالت مسؤولة العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي (فيدريكا موغيريني) خلال مؤتمر صحفي في العاصمة الأردنية عمان: إن هذا يوم حزين جدا لأوروبا، وعاصمتها تعاني الألم نفسه الذي شهدته هذه المنطقة (الشرق الأوسط) وتعانيه يوميا.

وأعرب رئيس الوزراء البريطاني (ديفد كاميرون) عن الصدمة والقلق إزاء الأحداث التي شهدتها العاصمة البلجيكية، وكتب في صفحته على موقع تويتر سنقدم كل ما يمكننا من أجل المساعدة.

كما أدان الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) الهجمات، ووصفها بأنها جريمة وحشية، وقال في بيان: إن الحرب على الشر تتطلب أعلى مستوى من التعاون الدولي الفعال.

واكد أن رئيس الوزراء السويدي (ستيفان لوفين) انفجارات (بروكسل) تعد هجوماً على أوروبا الديمقراطية؛ بينما ندد رئيس الوزراء الدانماركي (لارس لوكي راسموسن) بالتفجيرات، وعدها هجوماً دنيئا.

أما رئيس الوزراء الهولندي (مارك روته) فقال: إن بلجيكا أصيبت مجددا بهجمات جبانة وغادرة، بينما قال وزير الخارجية الإسباني (خوسيه مانويل غارسيا مارغالو): إن هذا الإرهاب مثل السرطان الذي ينتشر في جميع أنحاء العالم.

وكتب رئيس الوزراء الهندي (ناريندرا مودي) في صفحته على موقع تويتر: إن الأخبار التي تأتي من بروكسل مزعجة، ونحن ندين هذه الهجمات.

تداعيات الحدث

يرى خبراء أن تلك التفجيرات سيكون لها أثر بالغ على السياسات المتبعة لبروكسل تجاه قضايا الشرق الأوسط، فضلا عن تضرر اللاجئين السوريين، بِعدِّهم بروكسل الملجأ والسند القوي لهم.

كما أكد خبراء أن تداعيات التفجيرات لم تقف عند السوريين فحسب، وإنما ستمتد لتقييد حركة اللاجئين والمسلمين كلهم، مشيرًا إلى أن التحذيرات والممارسات الأمنية ستكون أكثر حزمًا، لكن الأمر لم يصل إلى المنع التام في استقبال اللاجئين؛ لأن الأمر يتنافى مع الفلسفة التفكيرية لدول الغرب، ولكن التشديدات الأمنية ستكون في طليعة الاهتمامات.

ما العمل؟

ومع تجدد دوي التفجيرات وتوسع دائرة الرعب والهواجس في قلب أوروبا، يتجدد طرح السؤال حول المطلوب ما العمل؟

     بداية لابد أن ندرك أن ما يحدث الآن من جرائم إرهابية مروعة يضعنا أمام حقيقة تحد كبير، ويستدعي بالتالي تفكيرا مختلفا في كيفية محاصرت ذلك الإرهاب وتقليص خطره، ثم تجفيف منابعه، تمهيدا لإنقاذ البشرية من شره، ودون أدنى شك فإن ضربة (بروكسل) ومن قبلها ضربة باريس، ومن قبلهم ضربة أنقرة واسطنبول، تؤكد أن أحدًا في العالم لم يعد بمنأى عن خطر الإرهاب، وأن دولة أو عاصمة لم تعد محصنة من خطر الإرهاب، وبالتالي فإن الجميع مدعوون للحوار الجاد والصريح والأمين، من أجل النظر في أسباب هذا الانفجار الإرهابي المذهل، وبالتالي في الأسلوب الذي يمكن به إنقاذ البشرية منه .

سرطان الإرهاب

     ونحن إذا كنا جادين فعلا في علاج سرطان الإرهاب، فإننا لابد أن نحترم أبعاده كافة، وأن نضع المنظومة العلاجية الشاملة، وليست الانتقائية أو الجزئية، ومن البديهي أنك لابد من أن تقطع أي جزء ظاهر من هذا الوباء بوصفه شرطاً أولياً أو تستهدفه مباشرة أمنيا، لكن أيضا لا بد من تحصين جسم المجتمع، سياسيا وثقافيا واقتصاديا وقانونيا، بما يضمن محاصرة هذا الداء ومنع تمدده، أو أن يجد له حواضن اجتماعية أو سياسية، وهذا ما يتهرب منه الكثيرون مع الأسف، وفي ظل فضاء إنساني متداخل وعولمي وشديد التداخل تقنيا ومعلوماتيا وإنسانيا ودينيا، يكون الجميع معرضا لآثار هذا التمدد الإرهابي أيا كان بلد منشئه، وأيا كانت البيئة الحاضنة له.

فرض ثقافة السلام

     العالم كله اليوم أمام مسؤولية إنسانية وأخلاقية مشتركة وإلزامية ، لنشر -بل فرض- ثقافة السلام والعدالة والديمقراطية واحترام الحريات العامة وحقوق الإنسان الأساسية، ومنع التجبر والأخذ على يد أي طاغية في أي مكان بالعالم يسترخص الدم الحرام أو يستبيح آدمية البشر؛ لأن آثار جرائمه ونتائجها ستمتد إلى كل بقعة من الأرض وتصيب الأبرياء في أماكن كثيرة.

الدرس السوري

     ولا شك أن الدرس السوري كان واضحا ونموذجيا، عندما تلاعب العالم بمحنة الشعب السوري، واستسهل الأرقام التي تمثل جثثا لبشر من ضحايا بشار الأسد وطغمته الأمنية والعسكرية، وكان يشاهد تدمير المدن، والمستشفيات، والمساجد، والبيوت، بالبراميل المتفجرة كما لو كان يشاهد فيلما سينمائيا هوليوديا، وأظن أن الكثيرين في باريس وبروكسل، ومدريد، ولندن، حتى في واشنطن، هم أكثر اقتناعا اليوم بأن ما حدث في قلب أوروبا هو بعض شظايا حرب بشار على شعبه، بل هذا ما قالته بوضوح كاف (فيديريكا موجيريني) منسقة الأمن في الاتحاد الأوربي وهي تبكي في مؤتمرها الصحفي .

أضف تعليقك