رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
21 مارس، 2016
3 تعليق

1507 قتيل وأكثر من 100 ألف لاجئ ونازح- روسيا تغادر سوريا مخلفة مجازر مروعة وآلاف القتلى والنازحين

قرار بوتين بسحب القوات الروسية من سوريا يزيل مخاوف اندلاع حرب عالمية ثالثة، كما أنه يخفض احتمال وقوع صدامات روسية- تركية في سوريا

ويشير مراقبون أن روسيا ستعمل على بقاء سوريا دولة علمانية، فخصوم الأسد كُثُر، وهم لا يمكنهم أن يوافقوا على بقائه رئيسًا للدولة

أعلنت منظمة العفو الدولية أن القصف الجوي الذي شنته روسيا في سوريا قد يرقى إلى جريمة حرب، بسبب عدد المدنيين الذين قتلتهم تلك الضربات

ارتكبت القوات الروسية في سوريا، مجازر مروعة بحق المدنيين، في عدد من القرى والبلدات، فيما استهدفت المدارس والملاجئ والأسواق

 

في خطوة مفاجئة أعلن الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) انسحاب القوات الروسية من سورية، وقال في خبر عاجل تناقلته وسائل الإعلام الروسية: إنه أبلغ الرئيس السوري بذلك؛ ولم يكن هناك أي مقدمات على الأرض للقرار الروسي باستثناء انسحاب عدد من طائرات القوات الروسية من مطار حميميم المحطة الرئيسة لها في سورية ، جاء ذلك عقب لقاء ثلاثي جمع (بوتين) بشويغو ووزير الخارجية (سيرغي لافروف)، الاثنين 14 مارس في الكرملين.

توافقات سرية

     وفي التعليق على هذا القرار المفاجئ أثار الكاتب والمحلل السياسي التركي محمد زاهد غول تساؤلات عدة حول ما أسماه بالتوافقات التي تكون قد حصلت ودفعت بوتين إلى اتخاذ هذا القرار، وقال: إن الروس الذين دُفعوا دفعًا لدخول المستنقع السوري، يريدون تحقيق أهدافهم بالمفاوضات بعد أن فشلوا في تحقيقها على الأرض؛ حيث إنهم لم يتمكنوا من دحر المعارضة السورية وتقوية حليفهم الأسد.

ورأى أن الروس أدركوا أن بقاءهم العسكري في سوريا لم يعد مهمًا، ولم يستبعد حصول توافق بينهم وبين الأميركيين بهذا الشأن، وأن الإيرانيين أيضًا أدركوا عجزهم عن تحقيق أي نصر على حساب المعارضة والشعب السوري.

توقيت مهم

     على عكس ذلك استبعد الخبير في العلاقات الدولية (جوشوا واكر) أن يكون هناك أي تنسيق بين موسكو وواشنطن بشأن قرار الانسحاب الروسي من سوريا، وقال: إن الخطوة جاءت في توقيت مهم جدا، لكنه ربطها بحسابات روسية في القرم وأوكرانيا، فضلا عن الوضع الاقتصادي في البلاد.

     وبشأن مدى تأثير الخطوة الروسية على مفاوضات جنيف، أوضح (واكر) أن موسكو تأمل أن تكون لها توافقات حتى تظهر كأنها انتصرت في سوريا، وأن حليفها الأسد انتصر، وأشار إلى أن الروس يدركون أن الأسد انتهى، وتساءل في السياق نفسه عن قدرة الإيرانيين على تأمين الأسد بعد انسحاب روسيا من سوريا.

وشكك (واكر) - وهو مستشار سابق لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية الأميركية- في نوايا روسيا، وحذر واشنطن من أن موسكو ستواصل التنافس مع القوى الكبرى.

لماذا أمر بوتين بسحب القوات؟

من ناحيتها تطرقت صحيفة (موسكوفسكي كومسموليتس) الروسية إلى قرار بوتين بسحب القوات الروسية من سوريا، مشيرة إلى أن بوتين فاجأ العالم بهذا القرار، مثلما فعل عند إعلانه إرسال القوات إلى سوريا.

ثم ذكرت الصحيفة أنه وبرغم أن من السابق لأوانه الحديث عن النتائج النهائية لدور هذه القوات في سوريا، فقرار سحبها يجب الترحيب به.

الإفلات من الفخ السوري

     ثم أضافت: لقد تمكنت روسيا من الإفلات من الفخ السوري الذي ربما كانت عواقبه على البلاد نظريًا أسوأ من حرب أفغانستان، فروسيا تنسحب من سوريا مرفوعة الرأس منتصرة، وبوصفها دولة عظمى تمكنت من تغيير مسار الحرب الأهلية في سوريا ولم تسمح بسقوط دمشق.

أمنية لم تتحقق

     ولا شك أن الأسد كان يود بقاء روسيا، ولكن من الواضح أن مصالح روسيا لم تعد تتطابق مع مصالحه؛ حيث ظهر أن روسيا جاءت فقط لعدم السماح بتطور الأحداث والحفاظ على نظام الأسد من الانهيار، وكذلك الحفاظ على المؤسسات والبنى التحتية للدولة السورية، وهذا تقريبًا ما تم تحقيقه فعلا.

إزالة المخاوف

     كما أشار مراقبون أن قرار بوتين بسحب القوات الروسية من سوريا يزيل مخاوف اندلاع حرب عالمية ثالثة، كما أنه يخفض احتمال وقوع صدامات حربية روسية- تركية في سوريا، وهذا القرار يعطي موسكو فرصة لتحسين العلاقات مع الغرب ومع بلدان الشرق الأوسط، فهل ستتمكن موسكو من استغلال هذه الفرصة؟ وهذا هو الأمر المهم هنا طبعا.

ترحيب المعارضة

     من جهتها أعلنت المعارضة السورية على لسان المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات الممثلة لأطياف واسعة من المعارضة سالم المسلط أن المعارضة تريد التحقق من تنفيذ القرار الروسي على الأرض بعد إعلان موسكو نيتها سحب الجزء الأكبر من قواتها في سوريا.

وقال المسلط للصحافيين في جنيف: لا بد من أن نتحقق من طبيعة هذا القرار، وما المقصود به؟ مضيفا: إذا كان هناك قرار بسحب القوات (الروسية) فهذا قرار إيجابي، ولا بد من أن نرى ذلك على الأرض.

وقال: إذا كانت هناك جدية في تنفيذ الانسحاب فسيعطي ذلك دفعة إيجابية للمحادثات، وأضاف أنه إذا كانت هذه خطوة جادة فستكون عنصرا أساسيا للضغط على النظام، وستتغير الأمور كثيرا نتيجة لذلك.

مهمة جديدة

     ويشير مراقبون أن روسيا تواجه مهمة جديدة وهي العمل على بقاء سوريا دولة علمانية، فخصوم الأسد كُثُر، وهم لا يمكنهم أن يوافقوا على بقائه رئيسًا للدولة، وقد وافقت روسيا في مفاوضات جنيف على إرجاء مناقشة مسألة استقالة الأسد، وأن قرار سحب القوات ربما يكون دليلاً على جدية نوايا موسكو.

كَمٌّ هائل من التساؤلات

     أخيرًا تغادر القوات الروسية سوريا، تاركة خلفها كمًّا من التساؤلات، حول هذا القرار الذي جاء مفاجئًا كما كان قرار التدخل سواءً بسواء، ولاسيما تزامنه مع مباحثات جنيف التي تجري بين المعارضة والنظام التي حاولت روسيا اللعب في تركيبتها غير مرّة؛ فمن سيستطيع فك شفرة هذا القرار، ربما تسفر الأيام القادمة عن السر وراءه والدوافع التي دفعت به.

الحصاد المر

     6 أشهر هي عمر التدخل الروسي في سوريا الذي كان له الأثر البالغ في ترجيح كفة نظام الأسد في عدد من المناطق؛ حيث ساعدت في إعادة انتشار قوات ومليشيات مؤيدة للأسد، فيما سعت إلى استهداف قوات المعارضة المعتدلة، ولا سيما في منطقة حلب القريبة من الحدود التركية، إلى جانب محاولة تعزيز قوة النظام في محادثات جنيف 3 التي انطلقت قبل أيام.

وتنصرف القوات الروسية من الأراضي السورية، مخلفة وراءها كمًّا من الحكايات الإنسانية والدماء التي سالت، جراء المجازر التي استهدفت المدنيين، فضلاً عن عشرات الآلآف من النازحين.

1507 قتيلا وأكثر من 100 ألف لاجئ ونازح

تظهر إحصائية نشرتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن القوات الروسية قتلت نحو 1507 مواطنًا سوريًا منذ بدء تدخلها في 30/9/2015؛ حيث أشارت الشبكة إلى أن الغارات الروسية استهدفت عددًا من المدن والبلدات السورية خلال الأشهر الستة.

     وتركزت الغارات الروسية في شهرها الأول على محافظات إدلب، وحماة، وحمص، وحلب، ثم طالت دير الزور، والريف الجنوبي والشمالي لحلب، والريف الجنوبي لإدلب ومنطقة جبل التركمان في ريف اللاذقية، تاركة وراءها آلاف المنازل المهدمة، وعشرات آلاف النازحين.

ولعل موجة النزوح الأكبر، التي تسبب بها القصف الروسي، كانت نزوح 70 ألف شخص من مناطق مختلفة في مدينة حلب شمالي سوريا، جراء القصف العنيف الذي استمر لأسابيع عدة على البلدات والمدن المختلفة والمناطق المأهولة بالسكان.

     وأجبر القصف الروسي الكثيف، نحو 40 ألف شخص، من قرى: (حيان، وتل جبين، ورتيان، وكفر نايا، وحريتان، ودير جمّال، وكفر ناصح، وإحرص، وماير)، إلى النزوح باتجاه مدينة أعزاز المتاخمة للحدود التركية بريف حلب الشمالي، فيما نزح قرابة 30 ألف شخص من بلدات: (عندان، وبيانون، وكفر حمرة)، نحو الريف الغربي لحلب، خوفًا من استهدافهم من قبل المقاتلات الروسية.

إلى جانب ذلك، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان نزوح أكثر من 20 ألف مدني من أهالي ناحية (مهين) بريف حمص الشمالي، بسبب الغارات الجوية التي شنها الطيران الحربي الروسي على بلدة مهين.

أسلحة محرمة ومجازر مروعة

     في 12 ديسمبر 2015، وبعد مرور شهرين فقط على بدء التدخل الروسي في سوريا، أعلنت منظمة العفو الدولية أن القصف الجوي الذي تشنه روسيا في سوريا قد يرقى إلى جريمة حرب، بسبب عدد المدنيين الذين قتلتهم الضربات الجوية، وذكرت المنظمة الحقوقية أنها تظهر أدلة على انتهاك القانون الإنساني.

مجازر مروعة

وارتكبت القوات الروسية في سوريا، مجازر مروعة بحق المدنيين، في عدد من القرى والبلدات، فيما استهدفت المدارس والملاجئ والأسواق.

وكانت أكثر المجازر الروسية دموية، المجزرة التي تسبب فيها القصف الروسي لمستشفى تشرف عليه منظمة العفو الدولية في محافظة إدلب شمالي سوريا، بموت 25 شخصًا، ما بين جرحى وأطباء، ومتطوعين.

وقالت (جوان ليو) - الرئيسة الدولية لمنظمة أطباء بلا حدود الخيرية- يومها: إن روايات الناجين من العاملين بالمستشفى الواقع بمحافظة إدلب، تقود إلى تورط قوات روسية في الهجمات.

إلى جانب ذلك، أكدت منظمات دولية أن الغارات الروسية استهدفت خلال مكوثها في سوريا نحو 22 مستشفى و27 مدرسة، في مناطق تقع تحت سيطرة المعارضة في حلب، وإدلب، واللاذقية، ودرعا.

وما زال العالم كله، يتذكر حتى اللحظة صور الجريمة الروسية التي ارتكبت في أحد الأسواق الشعبية في مدينة أريحا في محافظة إدلب، في 29 تشرين الثاني 2015.

وارتكبت القوات الروسية مجزرة بشعة في مدينة أريحا، كانت سببا في إثارة الرأي العام العالمي في حينه، وتوجيه اتهامات أممية إلى موسكو.

واستهدفت الطائرات الروسية السوق الشعبي المذكور بثلاثة صواريخ؛ ما أدى إلى مقتل 36 مواطنًا مدنيًا بينهم أربعة أطفال، إلى جانب إصابة 72 شخصًا بجروح، وتدمير نحو 20 محلاً تجارياً، و25 سيارة، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

قنابل الفوسفور والقنابل العنقودية

     في 12 تشرين الثاني عام 2015، رصدت هيئات محلية سورية، بقايا قنابل تحمل مادة الفوسفور الأبيض المحرمة دوليًا، عقب غارة روسية على بلدة (بنين) الواقعة في محافظة إدلب، وهي التي أدت إلى حرق 500 دونم من الأرض، وإصابة عدد من المدنيين، إلى جانب تخريب واسع في الممتلكات.

وفي الحادي عشر من أكتوبر 2015، أكدت منظمة (هيومان رايتس ووتش)، في تقرير لها إن القوات الروسية استخدمت قنابل عنقودية، تستخدم لأول مرة في الأزمة السورية.

وأوردت المنظمة الحقوقية صورا وأشرطة فيديو، جرى تداولها على الإنترنت، تكشف استخدام قنابل عنقودية من طراز (سي بي بي إس)، للمرة الأولى في سوريا، أثناء غارة استهدفت محيط بلدة كفر حلب.

وأعربت المنظمة في حينه، عن قلقها حيال استخدام تلك القنابل، فضلا عن إمداد الجيش السوري بها.

استهداف المعارضة المعتدلة ورموزها.. علوش نموذجًا

 في 26 ديسمبر الماضي، اغتالت طائرات حربية روسية، زعيم جماعة جيش الإسلام زهران علوش، في غارة جوية على ضواحي العاصمة السورية دمشق، وتحديدا في منطقة (أوتايا) في الغوطة الشرقية.

اغتيال زهران علوش، الذي تزعم أحد أكبر فصائل المعارضة السورية المعتدلة في حينه، فتح الباب أمام كثير من التساؤلات، ولفت الأنظار إلى ماهية الدور الذي تؤديه روسيا في سوريا.

وقال الكاتب الصحفي جمال خاشقجي  في تصريحات نقلها قناة الجزيرة؛ إن اغتيال روسيا علوش يؤكد أن الروس جاؤوا ليستهدفوا المعارضة التي لها وجه مقبول في سوريا وخارجها حتى لا يبقى في البلاد إلا بشار الأسد وداعش.

     ومباشرة في أعقاب ذلك، بدأت معالم التدخل الروسي في سوريا تتضح، أكثر، ولا سيما، في أعقاب الهجوم الذي شنته على محافظة حلب، وتهجيرها لعشرات الآلاف من المدنيين، وق