رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
29 نوفمبر، 2015
3 تعليق

بوتين في طهران أبعاد ومضامين- إيران وروسيا تحالف مصالح أم استمكال لمشاريع الهيمنة على المنطقة

حاول الطرفان إظهار الزيارة بمثابة الحجر الأساس لتحالف بين قوّتين دولية وإقليمية تقارعان محاولات الهيمنة الأميركية

عكست التصريحات المتبادلة بين خامنئي وبوتين أن الجانبين توصلا إلى تفاهمات بشأن مجمل القضايا ذات الاهتمام المشترك

عززت طهران علاقاتها الاقتصادية مع موسكو، من خلال مجموعة من الإجراءات كان أهمها تقديم موسكو خطين ائتمانيين لطهران بقيمة سبعة مليارات دولار

كثيرة هي الدلالات التي حملتها زيارة الرئيس فلاديمير بوتين لطهران، وما خرجت به التصريحات الروسية والإيرانية سواء على مستوى الشراكة الإستراتيجية، أم فيما يتعلق بمجمل القضايا الإقليمية، وفي الوقت الذي روج فيه بعضهم لخلافات حادة بين روسيا وإيران، بدا واضحًا دفء العلاقات بين الطرفين ولا سيما أن هذه الزيارة أتت بعد ثمانِي سنواتٍ عجاف، لم يقم فيها الرئيس بوتين بزيارة إيران؛ حيث كانت آخر زيارة له في عام 2007 حين حضر قمة الدول الخمس المطلة على بحر قزوين.

     وجاءت زيارة بوتين إلى طهران الاثنين الماضي 23 نوفمبر للمشاركة في القمة الثالثة، التي عقدها في طهران منتدى الدول المصدرة للغاز الذي يضم في عضويته إيران وروسيا والجزائر وقطر وليبيا والإمارات ومصر وبوليفيا ونيجيريا وفنزويلا وغينيا الاستوائية وترينيداد وتوباغو، فضلا عن العراق وعُمان وهولندا والنرويج وكازاخستان وبيرو وأذربيجان – التي تحمل صفة مراقب.

وضع النقاط على الحروف

     جاءت هذه الزيارة لتضع النقاط على الحروف في الكثير من القضايا، بدءًا بمرحلة ما بعد اتفاق فيينا النووي، مرورًا بسوريا، وصولاً إلى التعاون الاقتصادي سواء على المستوى النفطي، أم على مستوى التبادل التجاري عبر مقترح إقامة منطقة للتجارة الحرة بين الجمهورية الإسلامية والاتحاد الأوراسي.

بُعْد استراتيجي

     أخذت الزيارة بعدًا استراتيجيًا؛ حيث حاول الطرفان إظهارها بمثابة الحجر الأساس لتحالف بين قوّتين دولية وإقليمية تقارعان محاولات الهيمنة الأميركية، وهو ما عبّر عنه بوتين برسائل مباشرة وغير مباشرة للقيادة الإيرانية، أبرزها قرار الكرملين رفع الحظر المفروض على توريد التكنولوجيا النووية لإيران، وتأكيد بوتين أن بلاده «لا تطعن حلفاءها من الظهر» و«لا تعمل ضدهم خلف الكواليس» كما يفعل الآخرون، في إشارة إلى الولايات المتحدة.

بُعْد اقتصادي

     وعلاوة على الجانب السياسي للزيارة، فقد كانت هناك جوانب اقتصادية لا تقل أهمية في بعدها الاستراتيجي، فقد عززت طهران علاقاتها الاقتصادية مع موسكو، من خلال مجموعة من الإجراءات كان أهمها تقديم موسكو خطين ائتمانيين لطهران بقيمة سبعة مليارات دولار، كما تنوي موسكو (حسب وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك) رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 1.6 مليار حاليًا إلى 10 مليارات دولار، بينما ستتراوح قيمة قائمة المشروعات الروسية الإجمالية الطويلة الأمد في إيران ما بين 35 و40 مليار دولار، وستشمل بناء وتحديث محطات توليد الطاقة وبناء مجمع كهرباء، فضلا عن الاتصالات والفضاء والنقل وبناء البنية التحتية للسكك الحديد.

تعاون عسكري

     وعلى صعيد التعاون العسكري أعلن السفير الإيراني لدى روسيا، مهدي صانعي، إن موسكو بدأت إجراءات تزويد إيران بنظام صواريخ (س-300) المضادة للصواريخ، بحسب وكالة تسنيم المحلية، ونسبت الوكالة إلى السفير مهدي صانعي قوله: إن «إيران وروسيا وقعتا عقدًا جديدًا وبدأت عملية تسليم نظام س-300».

     وكان البلدان قد وقعا عقدًا في التاسع من نوفمبر الجاري لتزويد طهران بنظام الصواريخ المتطور، وسمح الرئيس الروسي فلاديمير بوتن ببيع صواريخ س-300 الدفاعية المضادة للطيران في أبريل الماضي، بعد أن حظرت الدولة بيعها للخارج منذ العام 2010، كما أصدر بوتين مؤخرًا قرارًا برفع الحظر عن تزويد إيران بمعدات ومواد خاصة بتصدير اليورانيوم المخصب، وفق ما ذكرته وكالة الأنباء الروسية (سبوتنيك).

     كما حاول الطرفان في هذه الزيارة غلق الباب أمام تأويلات غربية (وكذلك عربية) لبعض التصريحات التي صدرت في الفترة الأخيرة عن مسؤولين إيرانيين، وتراوحت ما بين الانتقادات والتحفظات على المقاربة الروسية للأزمة في سوريا؛ حيث جاءت اللقاءات التي أجراها بوتين في طهران لتظهر توافقًا في وجهات النظر الروسية - الإيرانية إزاء هذا الملف، وهو ما عبَّر عنه خامنئي حين خاطب بوتين قائلاً: «إن الإجراءات الروسية في سوريا زادت مصداقيتكم ومصداقية روسيا في المنطقة والعالم»، وهو ما أكده الرئيس الروسي حين أشار قائلاً: «إن عمليتنا العسكرية في سوريا تجري بالتنسيق التام مع إيران ولولاها لكان من المستحيل تنفيذها».

ساعتان من المحادثات

     ساعتان أمضاهما الرئيس الروسي مع خامنئي لتبادل الضمانات وتوضيح المواقف في ملفات ما بعد الاتفاق النووي الإيراني، والتحدث بصوت واحد بشأن الخلافات التي أثارتها تصريحات قادة الحرس الإيراني من شكوك في نيات الروس السياسية حيال الرئيس بشار الأسد، وعدم تطابق مواقف موسكو مع طهران في التمسك ببقاء الأسد في منصبه في منتهى المسار السياسي الذي اتفق عليه في فيينا.

تفاهمات مشتركة

وعكست التصريحات المتبادلة بين خامنئي وبوتين أن الجانبين توصلا إلى تفاهمات بشأن مجمل القضايا ذات الاهتمام المشترك، ورحب خامنئي «بتوسيع التعاون الثنائي والإقليمي والدولي» بين إيران وروسيا، مثنيًا على الوجود المؤثر لموسكو في القضايا الإقليمية ولاسيما سوريا.

ورأى خامنئي أن قرارات روسيا في الموضوع السوري أسهمت في زيادة المصداقية الإقليمية والعالمية لروسيا والرئيس بوتين شخصيًا.

مخاوف وتهديدات

     لا شك أن هذه الزيارة ألقت بظلال كثيفة من الريبة والشك في طبيعة العلاقة بين البلدين في ظل تطور الأوضاع في المنطقة، وعن الدور الحقيقي الذي تريد أن تؤديه روسيا في المنطقة، ولاسيما في ظل الأطماع الإيرانية التي لا نستطيع بأي حال من الأحوال تجاهل أو تناسي رغبتها في الهيمنة على المنطقة الذي لم يعد مخططًا سريًا أو مفاجئًا، بل انتهجته إيران منذ سنوات وفق خطط مرحلية متتابعة ومتدرجة استهدفت تطويقها.

خارطة عسكرية جديدة

     ويعزز تلك المخاوف قيام التحالف الروسي الإيراني بتشكيل خارطة عسكرية جديدة للمنطقة، تحاول فيها إيران أن تحصد مناطق نفوذ وتسيطر على مناطق وممرات إستراتيجية بقوة السلاح وبمعارك عسكرية، كما يعد انطلاق صواريخ روسية تجاه سوريا، من سفن روسية ببحر قزوين نذير خطير؛ حيث أكد خبراء أن التحرك فوق بحر قزوين يعني تشكل تحالف عسكري جديد بحري (روسي -إيراني –عراقي)، وتستطيع السفن نفسها استهداف مناطق أخرى مجاورة منها السعودية على سبيل المثال، التي تشهد تهديدات شبه يومية من قبل قادة عسكريين إيرانيين، ولاسيما قادتها في القوات البحرية التي لم تنقطع منذ بدء (عاصفة الحزم) في اليمن أواخر مارس الماضي.

مَنْ يستقوي بِمَنْ؟!

     خلاصة الأمر فإن هذا التحالف زاد المشهد تعقيدًا، مَنْ يستقوي بِمَنْ؟! روسيا التي تحاول إخفاء فشلها في تحقيق أهدافها من التدخل العسكري في سوريا، أم إيران التي تحاول استكمال مخططات الهيمنة والسيطرة على المنطقة? ولكن في كلا الأحوال فإنه تحالف مشكوك في نواياه وفي شرعيته، وفي حالة نجاحه – لا قدر الله - فإن الخاسر الأكبر سيكون دول الخليج العربي وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية التي باتت ولا شك القوة الأولى والمؤثرة في المنطقة، وستستطيع إيران أن تمسك بمفاتيح اللعبة لتغير قواعدها كما تشاء؛ نسأل الله ألا يحدث ذلك وألا يمكن لهم .!!

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads