رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
29 نوفمبر، 2015
3 تعليق

بعد إسقاط الطــائــــرة الـروسـيـــة فـي تركيــا-هل تبحث روسيا عن مخرج آمن من ورطتها في سوريا؟

لم تكد روسيا تفيق من صدمة إسقاط طائرتها فوق سيناء حتى تلقت ضربة أخرى موجعة بإسقاط طائرتها العسكرية في تركيا

الأعمال الروسية الأحادية ومواقفها العدائية تعني أن مواجهات عرضية أو متعمدة مع الغربيين وقوات حلف شمال الأطلسي باتت جزءاً من المعادلة

بوتين يراهن على تحالف مع دولة واحدة في العالم هي إيران، التي تعد فاقدة للوعي السياسي المعاصر

بعد تلقي روسيا العديد من الضربات الموجعة فإن الدول الغربية لا تعرف كيف سينهي (بوتين) تدخله في سوريا

 

يبدو أن سقوط طائرة السوخوي الروسية فاجأ الرئيس الروسي بوتين، ولاسيما بعد سقوط طائرة مدنية في مصر قبل نحو أسبوعين، فهل يستطيع بوتين حفظ ماء وجهه في ظل المتطلبات الجديدة، وعلى الرغم من التصريحات المتشددة من الإدارة الروسية، إلا أن غلبة المصالح بين روسيا وتركيا ولاسيما ضخ الغاز الروسي، والاستثمارات التركية في روسيا سوف تكون الفيصل النهائي في معالجة هذه الأزمة، وقد تلقي الأزمة بظلالها على السياسة الروسية في التعامل مع حلفائها، ولاسيما إيران والنظام السوري أو حتى التفكير في الانسحاب المسوغ من المستنقع السوري.

     لم يكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعتقد أنه سيواجه أزمات كتلك التي يواجهها الآن بعد تدخله في المستنقع السوري، فرجل روسيا القوي الذي ظن أنه يمسك بـ(خيوط اللعبة) في المنطقة بين يديه، بدا متوترًا قاطبًا جبينه بعد أن أسقطت تركيا طائرة عسكرية روسية قرب الحدود السورية، وهو يجيب عن أسئلة الصحفيين في المؤتمر العاجل الذي عقده مع العاهل الأردني عبد الله الثاني في سوتشي الروسية.

على حين غرة

     أخذت الأحداث بوتين على حين غرة عندما تهاوت إحدى مقاتلات السوخوي على الحدود السورية أمام ضربة وجهتها لها القوات التركية بعد اختراقها لمجالها الجوي وتوجيه عشرات التنبيهات لقائد الطائرة الذي لم يُعر بالاً للتحذيرات التركية، الحادث أثار غضب موسكو ومخاوف الأسرة الدولية من العواقب الجيوسياسية لهذا الحادث، وبحسب موسكو وسوريا كانت الطائرة تحلق فوق الأراضي السورية لكن تركيا أكدت بالخرائط أنها خرقت مجالها الجوي.

ضربتان موجعتان

     لم تكد روسيا تفيق من صدمة إسقاط طائرتها المدنية فوق سماء سيناء حتى تلقت ضربة أخرى موجعة بإسقاط طائرتها العسكرية فوق الحدود التركية، ولا شك أن هذه التطورات تنذر بتحولات جذرية من شأنها أن تقلب الموازين الإقليمية والعالمية عموما، ومن هنا يتردد إلى الذهن التفكير في طريقة التعامل والرد الروسي بخصوص هذه الأحداث، وما يمكن أن تفعله حفاظاً على هيبتها.

حفظ ماء الوجه

     رد بوتين جاء تصعيديًا، لكن تقريرًا نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، اعتبر أن لهجته التحذيرية بأن بلاده تلقت (طعنة في الظهر) وأن الحادث سيكون له (عواقب خطيرة)، إنما هو على سبيل (حفظ ماء الوجه) أمام الداخل الروسي، ورغم أن وزير خارجيته سيرغي لافروف ألغى على الفور زيارة رسمية لتركيا، إلا أنّ دراغ ماكداول، المحلل لدى (فريسك مايبلكروفت كونسالتنسي) يرى أن الكرملين «سيسعى إلى التقليل» من وقع هذه القضية على الرأي العام الروسي؛ حيث صرح ماكدوال قائلاً: «هذه ليست الأزمة الوحيدة التي تشهدها روسيا حاليًا» في إشارة إلى أزمة أوكرانيا.

ردود فعل متوقعة

     من ناحيته صرح غالب دالاي، مدير (منتدى الشرق)، ومقره في إسطنبول، أن روسيا سوف تنتقم بطريقة أو بأخرى، ومن الصعب التنبؤ بتوقيت هذا الرد وطبيعته. دالاي أشار إلى ملفات ساخنة أخرى يمكن لموسكو أن تستغلها لإزعاج أنقرة، وقال: «إن الخطوات المتوقع اتخاذها من الجانب الروسي قد تكون أولاً من خلال تلاعبها بالملف الكردي بدعم قوات YPG الكردية ذراع حزب العمال الكردستاني في سوريا، وثانياً من خلال تكثيف الحملات الجوية على مواقع المعارضة السورية، وثالثاً قد يكون من خلال استهداف روسي للطيران التركي، ورابعاً كما أشار بوتين في خطابه من خلال إطلاق حملة تصوّر فيها تركيا داعماً أساسياً «لتنظيم الدولة الإسلامية».

     دالاي يرى أن الأمر سيصل إلى محاولة روسية بمقاطعة قطاع السياحة في تركيا وإلحاق الضرر اقتصادياً بها. وأوصت موسكو فعلاً رعاياها بعدم السفر إلى تركيا، ولكن مع ذلك صرح مساعد وزير الطاقة الروسي أناتولي يانوفسكي اليوم عن استمرار ضخ الغاز الروسي إلى تركيا، وفق الاتفاقيات المبرمة سابقاً بين الطرفين، وأضاف أن «الجانب الروسي لا يفكر بخيارات أخرى».

نقطة تحول

     الأكاديمي التركي أتيلا صانديكلي، رئيس مركز أبحاث (بيلغي سام)، أشار إلى أن التطور الأخير سيزيد من الصدع الموجود أصلاً بين البلدين؛ إذ أن «الخلافات بينهما تطغى على نقاط الاتفاق». صانديكلي مضى يقول لـ(هافينغتون بوست عربي): إن «هذه الحادثة جاءت لتزيد الطين بلة»، ولكن في الوقت نفسه تركيا تبدو بموقف قوة مقارنة مع روسيا؛ حيث إن طيارين أمريكيين أكدوا أن الأتراك فعلاً وجهوا إنذارات عدة للطائرة الروسية، وتركيا أثبتت بالخرائط انتهاك الطائرة الروسية لأجوائها؛ وبسبب التحذيرات المتكررة التركية حول خرق مجالها الجوي سيكون من الصعب على موسكو التأكيد بأن إسقاط طائرتها يشكل رداً مفرطاً.

بعد دولي وتصعيد محسوب

آلان مندوزا من معهد (ذي هنري جاكسون سوسايتي) يقول: إن هذا الحادث قد يعطي بعدًا دوليًا أكبر للنزاع السوري، وأضاف إن «الأعمال الروسية الأحادية ومواقفها العدائية تعني أن مواجهات عرضية أو متعمدة مع الغربيين وقوات حلف شمال الأطلسي» باتت جزءاً من المعادلة.

وهو الأمر الذي ذهب إليه الكاتب السعودي جمال خاشقجي الذي يرى أن قرار تركيا بإسقاط الطائرة الروسية (قرار سياسي وتصعيد محسوب)، في إشارة إلى أن السياسية التركية قد بدأت مرحلة تحول نوعية.

حق تركيا في الدفاع عن أراضيها

     من ناحيته حث الرئيس الأمريكي باراك أوباما روسيا وتركيا على تجنب التصعيد بعيد إسقاط الطائرة، وقال أوباما في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في البيت الأبيض «تركيا، بوصفها أي دولة، يحق لها الدفاع عن أراضيها ومجالها الجوي»، وأضاف «من المهم جدا بالنسبة لنا الآن أن نتأكد من أن الروس والأتراك يتحدثان سويا لمعرفة ما حدث بالضبط ولاتخاذ خطوات لتجنب أي نوع من التصعيد».

العلاقات التركية الروسية على المحك

     من ناحيته وصف المحلل السياسي التركي محمد زاهد جول ردود الفعل الروسية قائلاً: للأسف فإن ردود الأفعال الروسية على إسقاط الطائرة يمثل ردود أفعال تزيد الوضع سوءًا، فالتهديد الروسي بأن البارجة الروسية ستقوم بضرب أي مصدر يهدد الطائرات الروسية يعني أن روسيا سوف تكرر ضرب مواقع المعارضة السورية المعتدلة، بسبب أن هذه القوى قامت بإسقاط طائرة مروحية روسيا بعد ساعات من إسقاط الطائرة الروسية سوخوي24، وإعلان هيئة الأركان الروسية مقتل جندي روسي من الطائرة المروحية، وبالتالي فإن رئاسة الأركان الروسية إن لم تكن في حالة رد فعل عقلاني، فإنها تدفع بالمنطقة إلى مزيد من التدهور والخسارة، بينما الأفضل لها تهدئة الأوضاع، والعمل مع الأتراك لحل الأزمة السورية وفق الرؤية الدولية الكبرى، التي تضمن المصالح الروسية، بينما الرؤية الإيرانية تضمن لروسيا مزيدًا من الخسائر العسكرية والمعنوية.

التهور الإيراني

     إن العلاقات التركية والروسية على المحك، فإما أن تندفع روسيا وراء المعالجة الإيرانية في الحرب في سوريا ودفع فاتورة قتلى وخسائر عسكرية للجيش الروسي لا حدود لها، وإما أن تعمل وفق الرؤية الدولية والتركية بأن بشار الأسد قد فقد صلاحيته بوصفه رئيس جمهورية، وهذه الرؤية التركية يؤيدها المجتمع الدولي الذي يطالب روسيا أن تعمل معه في محاربة الإرهاب، بينما بوتين يراهن على تحالف مع دولة واحدة في العالم هي إيران، التي تعد بعيدة عن الوعي السياسي المعاصر، وروسيا غير معنية بالنظرة الإيرانية للأزمة، ولا بمغامرات الحرس الثوري الإيراني في البلاد العربية، وإلا فإن خسارة روسيا ستكون أكبر، وهو ما لا ترجوه تركيا لروسيا ولا لنفسها.

الورطة الكبرى

     أخيرًا فإنه مما لاشك فيه أن روسيا تورطت في دخول هذه الحرب، وأن الرقع يزداد يومًا بعد يوم عليها، ولا سيما بعد تلقيها تلك الضربات الموجعة، الواحدة تلو الأخرى، ولا تدري ماذا قد يستجد من أحداث، وهذا ما أشارت إليه صحيفة (الجارديان) حينما تحدثت عن رد الفعل الروسي بعد إسقاط طائرتها في سيناء؛ حيث قالت: إن روسيا قد تغير موقفها تجاه سوريا، حال توصلت التحقيقات إلى تورط تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في تفجير طائرتها بمصر، ما أودى بحياة 224 من مواطنيها، وأضافت: الدول الغربية لا تعرف كيف سينهي (بوتين) تدخله في سوريا.

وكشف مسؤول أمريكي رفيع المستوى، عن أن واشنطن تعتقد أن بوتين قدم أكثر مما يستطيع مضغه في سوريا، مؤكدًا أن أمريكا تريد رؤية بوتين وهو يخفق في سوريا، في محاولة لدفع موسكو للقبول بضرورة تنحي بشار الأسد من منصبه بوصفه جزءاً من أي انتقالي سياسي للسلطة.

فهل سترضخ روسيا بعد هذه الضربات الموجعة إلى تغيير مسارها ومحاولة البحث عن مخرج آمن من هذه الورطة والخروج بأقل قدر من الخسائر؟ أم ستستمر لتكرر الخطأ الفادح نفسه الذي ارتكبته من قبل في أفغانستان؟ هذا ما ستفسر عنه الأيام المقبلة من تلك الحرب غير المتكافئة.!

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads