رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
8 نوفمبر، 2015
3 تعليق

(الحمد لله)... كلمة النصر في الانتخابات التركية- العدالـة والتنميـة ينهـض من جديـد

أوغلو: الانتصار الذي حققه العدالة والتنمية يعدّ انتصارًا للشعب التركي بكل أطيافه وشرائحه

أردوغان يدعو العالم كله إلى إحترام نتائج الانتخابات

السر وراء نجاح العدالة والتنمية، أنه استطاع إقناع الشعب التركي بأنه هو حزب الهوية التركية الحضارية الصادقة والحقيقية

بعد هذه النتائج سيزداد محور تركيا والسعودية وقطر قوة وحضورًا وتأثيرًا، وسيكون البيت الداخلي لتركيا قويًا ومتراصًا

نجاح العدالة والتنمية سيكون له صدى واسع في جميع أنحاء الشرق الأوسط؛ حيث إن العديد من الملفات في المنطقة كانت تنتظر حسم الصندوق التركي لمعرفة مآلاتها المستقبلية

الأول من نوفمبر تاريخ له شأن في الذاكرة التركية؛ حيث قام (كمال أتاتورك) بإسقاط كلمة (لحمد لله) عندما أعلن قيام الجمهورية التركية عام 1922 وإلغاء اللغة العربية من المناهج التركية، إلا أن الأتراك وبعد 87 عامًا أبواْ إلا أن يرفعوا هذه الكلمة مرة أخرى وفي التاريخ نفسه حينما كانت أول كلمة قالها أحمد داود أوغلو معلقًا على الفوز الكاسح لحزب العدالة والتنمية بقوله: (الحمد لله).

فوز كاسح

     «لكل جواد كبوة» هذه العبارة تحققت عمليًا في المشهد السياسي التركي، حينما تعثر حزب العدالة والتنمية قبل خمسة أشهر تقريبًا في الانتخابات البرلمانية الأولى التي عقدت في يونيو الماضي، إلا أن الحزب ما لبث أن قام من كبوته، وأعاد ترتيب أوراقه، وحقق فوزًا كاسحًا في الانتخابات المبكرة التي دعا إليها الرئيس رجب طيب أردوغان، واستعاد الحزب الأغلبية التي كان قد خسرها في الانتخابات السابقة؛ مما سيمكنه من تشكيل الحكومة منفردًا دون الحاجة إلى الدخول في ائتلافات مع الأحزاب الأخرى، وقد حصل الحزب على نسبة 49.5 بالمئة من أصوات الناخبين، في حين جاء حزب الشعب الجمهوري ثانيًا بـ 25.3 بالمئة، وحزب الحركة القومية ثالثا بـ 12.0 بالمئة، أما حزب الشعوب الديمقراطي فقد جاء رابعًا بـ 10.3 بالمئة من الأصوات.

يُشار إلى أن حزب العدالة والتنمية حقق زيادة في عدد الناخبين بنسبة 8 بالمئة مقارنةً مع نتائج الانتخابات السابقة التي جرت في الـ7  من يونيو الماضي؛ حيث حصد وقتها 41.8 بالمئة من الأصوات.

خارطة البرلمان الجديد

ووفق هذه النتائج، سيحصل حزب العدالة والتنمية على 317 مقعدًا في البرلمان المكون من 550 مقعدًا وهو ما يمنحه أغلبية مريحة لتشكيل الحكومة، بينما سيحصل حزب الشعب الجمهوري على 134 مقعدًا، وحزب الحركة القومية على 41 مقعدًا.

انتصار للشعب التركي

     من ناحيته صرح رئيس الحزب ورئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو بأنّ الانتصار الذي حققه حزب العدالة والتنمية يعدّ انتصارًا للشعب التركي بكل أطيافه وشرائحه، وذلك خلال خطاب ألقاه أمام حشد من مناصريه في ولاية (قونيا) وسط البلاد، وأكّد أوغلو أنّ نتائج الانتخابات البرلمانية الحالية تعد بداية مرحلة جديدة، سيسعى فيها الحزب لمتابعة مسيرة التطوير في البلاد.

الأكبر في تاريخ الحزب

وقال الباحث في الشأن التركي محمد زاهد غول إن هذه النتائج تظهر زيادة هائلة قدَّرها بأربعة ملايين صوت تقريبًا لصالح حزب العدالة والتنمية مقارنةً بالانتخابات السابقة، مشيرًا إلى أن هذه النتيجة قد تكون الأكبر في تاريخ الحزب.

الاستقرار السياسي

     من ناحيته دعا الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، العالم كله، إلى احترام نتيجة الانتخابات التي جرت في بلاده، والتي أعطت لحزب العدالة والتنمية نحو 50 في المئة من الأصوات، وقال للصحافيين بعد أن أدى الصلاة في مسجد باسطنبول: إن الأتراك صوتوا لصالح الاستقرار في أول نوفمبر بعد إخفاق محادثات تكوين ائتلاف عقب الانتخابات التي جرت في يونيو.

دستور جديد

     من جانبه، دعا رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو الأحزاب السياسية التركية إلى الاجتماع والاتفاق على دستور جديد بعد استعادة حزبه الحاكم أغلبيته في البرلمان، وقال في كلمة من شرفة في المقر الرئيس لحزب العدالة والتنمية في أنقرة أمام آلاف من أنصار الحزب: «أدعو كل الأحزاب التي دخلت البرلمان إلى وضع دستور وطني مدني جديد؛ فلنعمل معًا نحو تركيا لا يوجد فيها صراع وتوتر واستقطاب ويعيش فيها الجميع في سلام».

الحل السحري

     وقدم حزب العدالة والتنمية نفسه - بحسب مراقبين - على أنه هو صاحب الحل السحري للخلاص من حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، وذلك في إطار سعيه للعودة إلى مرحلة انفراده بالحكم، وهذا ما جعل أنصاره ينشطون في مختلف المجالات والمناسبات، وتجلى ذلك في استناد الحزب في خطابه الانتخابي إلى تذكير الأتراك وتنبيههم إلى فداحة ما ستشهده البلاد من أزمات وصعوبات، فيما لو خرجت من الاستقرار السياسي، الذي يعني هيمنة حزب العدالة وانفراده بالسلطة.

محاولات للعرقلة

     بالمقابل حاولت الأحزاب السياسية الأخرى أن تفعل كل ما بوسعها لتفادي تمكن حزب العدالة والتنمية من الفوز بمفرده في تلك الانتخابات، بالاستناد إلى التدهور الأمني والاقتصادي الذي حصل، وهذا أمرٌ طبيعي في الحياة السياسية الديمقراطية؛ حيث إن التحديات الأمنية قد انعكست سلبًا على الملف الاقتصادي من خلال ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الاستثمار الخارجي، وتضررِ المنافسة الاقتصادية للبلاد لصالح الصين والهند؛ وهو ما أدى لتباطؤ النمو في الاقتصاد التركي إلى 3% في هذا العام، لكن فوز العدالة والتنمية اليوم قد يعيد بحسب خبراء الثقة في الاقتصاد التركي الأمر الذي سينعكس على مستقبل الليرة التركية.

أصداء واسعة

     هذه النتيجة التاريخية بالتأكيد سوف يكون لها صدى واسع ليس فقط داخل حدود الدولة التركية، بل في جميع أنحاء الشرق الأوسط؛ حيث إن العديد من الملفات في المنطقة على رأسها القضية السورية، كانت تنتظر حسم الصندوق التركي لمعرفة مآلاتها المستقبلية.

مستقبل العلاقة مع الأكراد

     دون شك، فوز الكرد بنسبة 10% سيصعب على أردوغان تحقيق أجندته السياسية المتمثلة في الانتقال إلى النظام الرئاسي ووضع دستور جديد للبلاد يكرس هذا النظام، ويعطي للرئيس صلاحيات كبيرة، ولاسيما أن الحزب الكردي أعلن مسبقًا رفضه الانتقال إلى النظام الرئاسي، وهو رفض تشاركه فيه أحزاب المعارضة ولا سيما حزب الشعب الجمهوري والحركة القومية؛ حيث ترى هذه الأحزاب أن النظام الرئاسي سيجعل أردوغان حاكمًا مطلق الصلاحيات؛ بما يفتح المجال أمام حكم الفرد والحزب الواحد.

في حين أن هناك من يرى أن فوز الحزب الكردي سيكون أفضل لترسيخ الديمقراطية في الحياة السياسية التركية، بل يرى هؤلاء أن فوز الحزب الكردي قد يضعه وحزب العدالة والتنمية أمام تحالف مصلحي تفرضه التطلعات المتبادلة والبراغماتية السياسية.

وحول عملية السلام مع الجانب الكردي، فإن الأحداث الدموية الأخيرة التي حصلت في تركيا وراح ضحيتها العشرات من المدنيين، انعكست على عملية السلام في تركيا، وأدت إلى انعدام عامل الثقة من جديد بين الأكراد والأتراك.

     ويرى الباحث في شؤون الشرق الأوسط، علي باكير، أن مستقبل عملية السلام مع الأكراد أن النسبة التي حصل عليها حزب الشعوب التي ستمكنه من دخول البرلمان ستجعل هناك ضغطاً كبيراً عليه لإجراء محادثات سلام، ولكن في الوقت نفسه قد يفقد الأمل بالعملية السياسية ومن ثم يزيد العنف.

عقدة سوريا

يرى علي باكير أن فوز العدالة والتنمية، سوف يجعل تركيا أكثر جرأة في التعاطي مع الملف السوري، وبطبيعة الحال هذه النتيجة ستعطي دفعا داخليًا وخارجيًا بالتأكيد إذا أحسن توظيفها، فعليه أن يفتح يديه أيضًا للآخرين في المنطقة لاستيعابهم.

     والسياسة الخارجية التركية من الملفات الاستراتيجية في أجندة العدالة والتنمية، لتحقيق مكاسب محلية وإقليمية، من خلال توسيع الدور التركي في القضايا الحساسة في الشرق الأوسط، والإعلان عن كون أنقرة الطرف الذي يساهم في صناعة الاستقرار والتوازن في المنطقة؛ حيث كوَّن التدخل العسكري الروسي في سوريا عقبة كبيرة في تعامل أنقرة تجاه سوريا، الأمر الذي أجبرها وفق مراقبين على التراجع عن السياسة الخارجية المستقلة التي سارت عليها خلال السنوات العشر الأخيرة، والاقتراب من المحور القطري - السعودي.

 المحور السعودي - القطري - التركي

     وحول تأثير فوز العدالة والتنمية على المحور السعودي - القطري - التركي لحل الأزمة السورية، رأى باكير «أن موقع تركيا الداخلي والخارجي سيكون أقوى بالتأكيد، لكن إلى أي مدى سيساعد ذلك هذه الدول؟ علينا أن ننتظر ونرى، لكن دون شك الآن التعاون الثلاثي سيتسارع بعد التأكد من بقاء حزب العدالة والتنمية في السلطة بنهج أقوى».

     من ناحيته قال (إدريس بوانو)، الخبير المغربي في العلاقات المغربية التركية: إن «العلاقات العربية التركية ستعرف منعطفًا بعد هذه الانتخابات، وستسعى تركيا إلى تقوية هذه العلاقات»، مشيرًا إلى أنه «مع هذا التفويض، سيزداد محور تركيا والسعودية وقطر قوة وحضورًا وتأثيرًا، ومع هذه النتائج سيكون البيت الداخلي لتركيا قويًا ومتراصًا».

سر النجاح

     أشار مراقبون أن هناك أسبابا كثيرة جعلت العدالة والتنمية يستعيد مكانته، وينهض من كبوته، ولكن السبب الرئيس في ذلك أشار إليه محمد زاهد جول قائلاً: إن السر وراء نجاح العدالة والتنمية، أنه استطاع إقناع الشعب التركي بأنه هو حزب الهوية التركية الحضارية الصادقة والحقيقية، وحزب الديمقراطية المحافظة وحزب العمل الحزبي القانوني والدستوري، بينما الأحزاب السياسية الأخرى أرادت فرض هويات أخرى، إما علمانية غربية لا تحترم هوية الأمة التركية ولا تاريخها، وإما أحزاب قومية ضيقة كارهة للوحدة الوطنية، وإما أحزاب سياسية عنصرية ترتبط بأجندة خارجية معادية لتركيا القوية والمتقدمة، أي أن الأحزاب السياسية الأخرى، فقدت قدرتها على أن تكون مقنعة للشعب التركي في تمثيله في هويته القومية الحضارية التاريخية والحديثة والمعاصرة معًا، كما نجح فيها حزب العدالة والتنمية، فحزب العدالة والتنمية هو حركة إصلاحية لكل الشعب التركي، وليس لقومية معينة، وليس لطائفة معينة، وإنما لكل الشعب التركي ونهضته وتقدمه.

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads