رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
13 أكتوبر، 2015
3 تعليق

في يوم المعلم العالمي- المعلم العربي واقع مؤلم ومكانة متدنية

تحت شعار: (تمكين المعلمين لبناء المجتمعات المستدامة) احتفل العالم الأسبوع الماضي بيوم المعلمين العالمي بهدف الإشادة بدور المعلمين في العالم، وإلى تعبئة الدعم والتأكد من أن احتياجات الأجيال القادمة سيوفرها المعلمون المخلصون، وركز الاحتفال على جذب الخريجين إلى مهنة التعليم، وعلى كيفية رفع مكانة المعلمين ليس من أجل المعلمين والتلاميذ فقط، ولكن من أجل المجتمع كله نظرًا إلى دور المعلمين في بناء المستقبل.

ولا شك أن هذا الاحتفال العالمي بالمعلم يضعنا أمام تساؤلات عدة حول واقع المعلم في المجتمعات العربية، وموقعه بين المجتمعات العالمية، وقد أشارت العديد من التقارير إلى واقع مأساوي ومؤلم للمعلم العربي، وهذا ما سنتعرض له في هذا التقرير.

التصنيف الدولي لمكانة المعلم

     قامت (مؤسسة جواهر فاركي البريطانية - Varkey Gems Foundation) بإجراء أول دراسة مقارنة عن «مكانة المعلم حول العالم» لقياس مستوى احترام المعلمين في البلدان المختلفة، واستطلعت هذه الدراسة رأي ألف شخص من كلا الجنسين في إحدى وعشرين دولة هي: البرازيل، الصين، جمهورية التشيك، مصر، فنلندا، فرنسا، المانيا، اليونان، إسرائيل، إيطاليا، اليابان، هولندا، نيوزيلندا، البرتغال، تركيا، سنغافورة، كوريا الجنوبية، أسبانيا، سويسرا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية.

     وقد تم اختيار هذه الدول بناءً على أدائهم وفق البرنامج الدولي لتقييم الطلاب Program for International Student Assessment (بيزا)، والبرنامج الدولي لاتجاهات دراسة الرياضيات والعلوم (Trends in International Mathematics and Science Study) (تيميس)، وليمثلوا كل قارة كبيرة، وبوصفهم ممثلين لاتجاهات مختلفة للأنظمة التعليمية.

مكانة متدنية

     ورغم كل الأمنيات والطموح أن يلقى المعلمون الاحترام الكافي كنظرائهم في المهن الأخرى مثل الأطباء، باعتبارهم مهنيين متخصصين ماهرين للغاية أسوة بمعظم الوظائف الأخرى في المجتمع، إلا أن الاستقصاء أو المسح الذي أجرته المؤسسة البحثية أظهر أن المواطنين في دولة الصين فقط يضعون المعلمين في مكانة مساوية لمكانة الأطباء، وعلى النقيض من ذلك، تبين أن أقل من 5% فقط من المواطنين في المملكة المتحدة يعتقدون أن المعلمين يتساوون مع الأطباء في المكانة والأهمية.

كما أظهر التقرير أن هناك دولا مثل فنلندا استطاعت، أن تجعل مهنة التدريس تحظى بمكانة طيبة لدرجة أن أفضل خريجي الجامعات يتنافسون لشغل هذه الوظيفة، علمًابأنهم جميعاً يحملون درجة الماجستير.

أثر زيادة الرواتب

     وأظهر البحث أنه كلما حصل المعلمون على راتب أفضل، تعاظم تحصيل الطلاب العلمي، ويشير التصنيف الدولي لمكانة المعلم إلى أن الناس في معظم البلدان يعتقدون أن المعلمين يستحقون أن ينالوا رواتب أكبر حتى في دول مثل فنلندا التي تتمتع بالفعل بنتائج طيبة في هذا الصدد.

وهناك أيضًا دعم ساحق في الـ21 دولة التي خضعت للبحث لفكرة ربط أجر المعلم بالأداء، وإذا أخذنا هذا المطلب العام الساحق في الاعتبار، يجب على الحكومات أن تولي هذا الأمر اهتمامًا بوصفها خطوة أساسية لزيادة مكانة المعلمين.

ليست هي المشكلة الأساسية

     لكن تحسين الأجور وظروف العمل فقط لن يحل مشكلة مكانة المعلم، فإذا لم تلق مهنة التدريس تقديرًا حضاريًا، أي على المستوى الثقافي للمجتمع، فلن يكون الحافز المادي في الأجور أمرًا كافيًا، فهناك قصص عديدة عرضتها الشاشة الفضية لأعمال بطولية قام بها أطباء لإنقاذ حياة آخرين، وهو الأمر الذي يصعب أن نجد له شكلًا مساويًا في قصص عن معلمين أسهموا في تغيير حياة الآخرين.

تقرير جامعة شيكاغو الأمريكية

وفي السياق ذاته كشف تقرير مركز أبحاث التعليم العالي التابع لجامعة شيكاغو الأمريكية عن أجور المعلمين في بعض دول العالم؛ حيث احتلت كندا المرتبة الأولى ب5733 دولارًا شهريًا للمعلمين الجدد.

     وجاءت في المرتبة الثانية كل من إيطاليا وجنوب إفريقيا والهند وأمريكا؛ حيث وصل متوسط رواتب المعلمين في هذه الدول الخمس إلى 6000 دولار شهريا للمعلمين أصحاب الخبرة، أما الصين فاحتلت المرتبة الثالثة قبل الأخيرة، في التقرير الذي أعده المركز ذاته، بـ720 دولارًا شهريًا.

     وأخذ التقرير في الاعتبار تكاليف المعيشة في الدول المختلفة التي تضمنها، وبغض النظر عن الاعتبارات التي اعتمد عليها المركز لترتيب هذه الدول حسب أجور المعلمين، فإننا نورد بعض أجور هؤلاء في عدد من الدول حتى نقارنها بمرتبات معلمينا في الدول العربية.

     التقرير رصد 13 دولة أجنبية وعربية وكانت دولة قطر في المرتبة الأولى على صعيد الوطن العربي براتب شهري قدر ب 6880 دولارًا، وحصدت الكويت الرتبة الثانية براتب قدره 2890 دولارًا، فيما احتلت الإمارات المرتبة الثالثة براتب قدر بالدولار ب 2840 دولارًا، والسعودية كان نصيبها المرتبة الرابعة براتب 2150 دولارًا، ثم البحرين ب 2064 دولارًا، وجاء المغرب في الرتبة ما قبل الأخير .

     والغريب أن هذا التقرير أثار غضب جموع المعلمين بدولة المغرب الشقيقة لاحتلالها المرتبة قبل الأخيرة حيث كشف التقرير أن المعلم المبتدئ يتقاضي مرتب حوالي 4100 درهم في الشهر، أي ما يعادل 372 يورو ويوازي 512 دولار، ويمكن أن تصل أجرة المعلم بعد 13 سنة من الخدمة إلى 6947 درهم مغربي أي 868 دولار أو 631 يورو .

المكانة الاجتماعية للمعلم العربي

أما عن المكانة الاجتماعية للمعلم العربي، فالمتأمل لأوضاع المعلم العربي في الوقت الراهن لا يعجزه أن يرى بوضوح تصدع هذه المكانة، فمن يأخذ على عاتقه مسؤولية تحليل هذه الأوضاع يستطيع أن يلمح بجلاء مظاهر تدني تلك المكانة، ومنها:

- تدني رضا المعلم عن واقعه المهني ينعكس سلبًا على نفسيته، فيسيطر عليه دائمًا شعور بالإحباط .

- تردي الأوضاع المادية للمعلمين تجبر كثيرًا منهم على الانجرار وراء هوس البحث الدائم عن الثروة على حساب القيم الإنسانية التي يفترض بهم أن يناضلوا من أجلها، فنراهم يمارسون أعمالا إضافية لا تليق بمركزهم العلمي والاجتماعي.

- توقف بعض المعلمين عن التنمية الذاتية لأنفسهم بالقراءة والاطلاع ومتابعة التحصيل الجامعي، لدرجة أن الواحد منهم لم يعد يقرأ كتابًا واحدًا في السنة، هذا التوقف عن التنمية الذاتية يؤثر سلبًا على مكانتهم العلمية، ويفقدهم تقدير المجتمع إلى حد كبير.

-  بروز مهن أخرى في المجتمع تكسب أصحابها مالا وجاها وحصانة واحترامًا كالطب والهندسة والمحاماة، مثل هذه المهن خطف بريقها احترام المعلمين وتقديرهم، وجعلهم إلى حد ما دون غيرهم في النظرة، وباتوا لا يعبأ بهم أحد، لا في الاستقبال ولا في التوديع أو التشييع، ولا حتى في التزويج والمصاهرة.

-  تطاول وسائل الإعلام المختلفة وعلى رأسها قنوات التلفزة على المعلمين، وسخريتها منهم في أفلامها ومسلسلاتها ومسرحياتها، وتصويرهم في أسوأ حال، هذا التطاول وهذه السخرية تضعف من هيبة المعلمين أمام طلبتهم وأمام أفراد المجتمع.

- تخلي المؤسسات التربوية والحكومات عن دعم المعلم وحمايته ومؤازرته، ثم حرمانه من بعض الامتيازات المادية والمعنوية التي تشد أزره، كالمشاركة في اتخاذ القرارات التربوية أو المشاركة في تصميم المناهج وبنائها وفي قرارات النجاح والرسوب، وحرمانه من البعثات والدورات التدريبية التي تشحنه بالمعرفة والخبرة، كل هذا يضعف ثقة المعلم بنفسه، ويزلزل مكانته ويقوضها ويهمشها، ويجعل المعلم عرضة للاعتداء والتجريح من قبل الجاهلين وضعاف النفوس من الناس.

أين الحلول؟

هذا هو الواقع المرير والمتأزم الذي تعيشه طبقة المعلمين في وطننا العربي الكبير، وهذه هي الأسباب والمظاهر فأين الحلول؟

     يضع لنا الدكتور محمد الجاغوب الأستاذ بالجامعة العربية المفتوحة بالأردن بعضًا من هذه الحلول فيقول: إن الحلول غالبا ما تكون تنظيرا وأحلام يقظة بعيدة عن الواقع ما لم تكن مدعومة بتوجهات جادة من أصحاب القرار وصانعيه في وطننا لإنقاذ مكانة المعلم، وما لم يتولد لدى المعلمين أنفسهم شعور من الثقة بالنفس، وإحساس بالإباء والكبرياء، ومن أجل تحسين واقع المعلم العربي واستقطاب الكفاءات وجذب ذوي القدرات العالية إلى مهنة التعليم لابد من بعض المقترحات التي قد تعيد للمعلمين شيئًا من حقوقهم المستلبة، ومكانتهم الغابرة، ومنها على سبيل المثال:

- إقصاء من لا يصلح للمهنة من المعلمين الذين هرمت هممهم وطموحاتهم وشاخ تفكيرهم قبل أن تشيخ أجسامهم، وسيطرت عليهم روح الانهزام، فتقوقعوا على أنفسهم وراحوا يقاومون التغيير والتجديد، وينبغي إحلال عناصر جديدة شابة تؤمن بالتطوير والانفتاح وتستطيع استيعاب مستجدات العصر من اللغات الحديثة والتكنولوجيا، وتتقبل آراء الآخرين، هؤلاء هم المعلمون القادرون على تعليم الجيل القادم وإعداده للتكيف مع طبيعة العصر.

- وضع شروط صارمة ومعايير دقيقة على تسجيل الطلاب وقبولهم في الجامعات في تخصصات المهن التعليمية؛ بحيث لا يلتحق بهذه الكليات إلا أصحاب المعدلات والمجاميع العالية من الطلبة، كي لا يتسرب إلى مهنة التعليم معلمون ضعاف ممن يتخذونها مصدرا لكسب الرزق لا أكثر.

- تحسين الوضع المادي للمعلمين ومنحهم امتيازات المسكن اللائق والتنقل المريح والرعاية الصحية والرفاة الاجتماعي وتوفير فرص التعليم لأبنائهم، وإغنائهم عن ممارسة أدوار سلبية كالتكسب في الرزق أو التنفيس عن واقعهم بمعاقبة الطلبة.

- تشديد الرقابة الوظيفية والإدارية على ممارسة المعلمين لأدوارهم، للتحقق من مدى التزامهم بأخلاقيات المهنة، ومن مدى اعتنائهم بالمظهر والهندام اللائق ونظافة الجسد والثوب واللسان، والترفع عن تقريع الطلبة وأهليهم بالألفاظ السوقية والنابية، التي تتنافى ونزاهة المهنة وشرفها.

- تجنيد الطاقات الإعلامية لامتداح المعلمين وإعلاء شأنهم وإجراء المقابلات معهم، وإشراكهم في الندوات والحلقات المتلفزة والحوارات التي تهم المجتمع وتزيد من التوعية بأهمية دور المعلمين، والكف عن السخرية منهم والانتقاص من دورهم.

- توفير الإعداد والتدريب المهني الذي يشحذ أسلحة المعلمين العلمية والمهنية، ويعزز صمودهم في مواقعهم ويعينهم على أداء أدوارهم،ويحسن من أساليبهم ويزيد من ثقتهم بأنفسهم.

- إشراك المعلمين في عمليات تصميم المناهج وبنائها، والتخطيط الاستراتيجي للتدريس والامتحانات والبحث العلمي، وإفساح المجال لهم للمشاركة في حل بعض المشكلات التي تواجه المجتمع.

- بناء اتجاهات إيجابية لدى المعلمين نحو دورهم بوصفهم قادة تربويين صانعين للتغيير، وساعين إلى تجويد التعليم بالابتعاد عن ممارسة التعليم بأساليب تقليدية، وعن ممارسة العقاب البدني والنفسي للطلبة وبأساليب غير إنسانية، ومن ثم الأخذ بأيديهم إلى أعلى درجات التحصيل والتفوق والإبداع العلمي والأدبي.

- دعم المجتهدين والمبدعين من المعلمين وذلك بتبني إبداعاتهم وكتاباتهم ونشر مؤلفاتهم، وإجراء مسابقات سنوية تبرز إنتاجهم العلمي والأدبي والتربوي،وتكريم الفائزين منهم بشتى الوسائل الممكنة، وفي ذلك تعزيز لمكانتهم بين أبناء مجتمعهم، وبث لروح الثقة بأنفسهم.

     وبعد، فهذا غيض من فيض، مما يصف واقع المعلمين العرب ومعاناتهم، وما يمكن أن يقدم لهم لرد بعض جميلهم على أبنائنا وفلذات أكبادنا، ومن أجل أن يكونوا قادرين على أداء دورهم في واقع الحياة بشكل صحيح، وعلى أداء واجبهم في بناء مجد الأمة ورفعتها، والله من وراء القصد.

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads