رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
2 فبراير، 2015

حادثة باريس وأوهام الذل

القرآن الكريم وحيٌ إلهي، يحمل في جنباته مقومات العزة، وتقود توجيهاته للنصر والتمكين، وابتعاد المسلمين عنه أحد أسباب دوامة الذلة والهوان التي تعصف بهم في مشارق الأرض ومغاربها، وتنكُّرهم لتوجيهاته أحد أسباب تخبطهم في اتخاذ قراراتهم، وضياع بوصلة مواقفهم.

     تمرّ حادثة باريس وتفجيرات صحيفة (شارلي إيبدو) لتؤكد أن قاع الذل الذي يخوض فيه بعضنا، يزداد عمقاً لدرجة عدم الشعور بالهوان تجاه تصرفات الغرب، وانعدام ثقة بعضنا في المفاهيم القرآنية الثابتة، وانخداعهم بمنظومة الغرب الإعلامية التي حددت أهدافها بدقة بالغة، وسخّرت تقنيات الاتصال ونظريات التواصل وسيكولوجية الجماهير، لتحقيق تلك الأهداف.

     تمر حادثة باريس في سياق حرب ثقافية شعواء من القارة العجوز على التمدد الإسلامي الذي بات يهدد وجودها سكانياً، ويُكوِّن خطراً على مفاهيمها حضارياً؛ فالدراسات كلها سكانية كانت أم ثقافية تشير إلى أن أوروبا مقبلة على تحول جذري يكون فيه الإسلام والمسلمون عَصّب هذا التحول؛ مما يهدد الهيمنة الغربية، ويفتح آفاقاً لسيطرة الإسلام وعودة قيمه وحضارته لتتسيد المشهد، وتتصدر واجهة العالم، كما تشير لذلك دراساتهم.

     وفي سبيل صدّ هذا التحول الذي يراه الغرب كابوساً مهدداً له، اتخذ سيلاً من الإجراءات لمقاومة الزيادة السكانية بين المسلمين، وشن الهجمات التشويهية  المتتابعة للحضارة الإسلامية، والسخرية من قيم الإسلام.

     حادثة باريس - مع الاعتراف بخطئها وأضرارها الارتدادية - فإنها نموذج من صناعة الغرب للأحداث، واستغلالها إلى أقصى درجة حال حدوثها،  ليس لقناعته بأن الفكر الإسلامي يحمل عداءً مطلقاً للحضارة الغربية، بل لإيجاد مسوغ أخلاقي لمواجهة تناقض الفكر الغربي، وإيجاد مخرج آمن للإقصائية التي يتبناها النموذج الغربي. وهذا المسوغ موجَّه للداخل الغربي بالدرجة الأولى، حتى لا يفقد الثقة بالدعاية الإعلامية، ثم لخداع بعض السُذَّج من المسلمين، ولتعزيز دور المنافقين والمرجفين في صفوف المسلمين.

شواهد الإقصائية والعداء للآخر في الحضارة الغربية، لا تحتاج سوى وضع الأحداث ضمن سلسلة واحدة، بعيداً عن تجزيء المسلمين إلى دول متفرقة وجماعات متعددة.

وعوداً على بدء فإن القرآن الكريم قد حدد طبيعة الصراع بين الإسلام والكفر، وبيّن أسبابة، وأوضح مآلاته.

     والأمة بحاجة لفهم القرآن الكريم واستلهام توجيهاته، للخروج من مأزق الذل ودوامة الهوان، التي تزداد مع كل حادث يذهب ضحيته غربيون؛ فكيف يمكن تفسير تسارع المسلمين لإدانة حادثة صحيفة شارلي ايبدو، ونسبتها للإسلام بوصفه منهج حياة وثقافة أمة - مع أن القائمين به أفراد - في حين تتم تبرئة، بل التماس الأعذار للغرب بوصفه دولا، مع مايقوم به من عمليات قتل ممنهج، وحروب دولية استئصالية منظمة، تستثني كل أحدٍ إلا أن يكون مسلماً.

     مقوّم البقاء في الحضارة الغربية استئصالي كارثي، كما نراه اليوم في تطبيقات دوله. في حين أنه في الإسلام تكاملي تعايشي لم يُسمح أن يمارسه المسلمون، بل شُوِّه عمداً؛ لأنه بوضوح سيهدم كل مابناه الغرب من أوهام الحرية والعدالة والمساواة حين يراها العالم على حقيقتها، واقعاً معاشاً كما يصورها القرآن، وتتبناها الشريعة.

 

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads