رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
2 فبراير، 2015
3 تعليق

قائدٌ يخلف قائدًا... السعودية دولة عتيدة وحكم مستقر

إن من مزايا الشريعة الإسلامية الغراء أن رتبت كل ما يحتاجه الناس لمعاشهم ومعادهم، وأولت الأمور الكبار عنايةً بالغة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:

     فالحمد لله على كل حال، وإنا لله وإنا إليه راجعون، نعم إننا في هذا اليوم نودع خادم الحرمين الشريفين، نودع هذا الإمام بعد مشوارٍ حافلٍ من الخير الذي أجراه الله على يديه، مات مأسوفًا عليه يعزي السعوديون بعضهم بعضًا فيه؛ بل المسلمون جميعًا؛ فهو بمثابة الوالد للجميع؛ فهو إمامٌ لهذه الدولة التي هي قبلة المسلمين، والتي تمثل عماد أمة الإسلام منذ أن تسامع الناس بالخبر الحزين بوفاة الملك عبدالله ما كادوا يصدقون؛ فالخبر مفجع، والمصاب جلل، لكن من رحمة الله جل وعلا أن يكون انتظام هذا الأمر في هذه البلاد العربية السعودية الذي بانتظامه انتظام كثير من أمور المسلمين، ولاسيما شؤون البقاع والديار المقدسة.

     نعم جاء عبدالله بن عبدالعزيز إمامًا لشعبه بعد أن كان العضيد الوفي لأخيه فهد بن عبدالعزيز - طيب الله ثراه - لينال نصيبه من حلقات النبل والوفاء التي تتوارثها الأسرة الحاكمة في هذه البلاد حاكمةً بشرع الله جل وعلا، فأكرمهم بخدمة الحرمين، وتأمين السبل فيهما، تحدق بهم وتحفهم نفوسٌ كريمة من عموم أبناء شعبهم في كل أرجاء المملكة العتيدة؛ بل وفي أرجاء العالم الإسلامي.

قدم عبدالله بن عبدالعزيز مآثر كريمة، ستبقى شاهدةً عند ربه جل وعلا ثم عند الناس.

     رحل عبدالله بن عبدالعزيز إمامًا محبوبًا، وخلفه سلمان بن عبدالعزيز إمامًا كريمًا، بايعه أهل الحل والعقد، وبايعته قلوب الناس قبل أن تصافحه أيديهم وتلهج ألسنتهم بإعلان البيعة لسلمان بن عبدالعزيز الذي قضى شطرًا كريمًا من عمره أميرًا للرياض، كان في الواقع عضيدًا للملوك؛ بدءًا بما أوكله إليه والده الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبد الرحمن طيب الله ثراه، ثم بمسؤولياته المتنامية مع جميع الملوك: سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله رحمهم الله جميعًا، ثم بقربه من أبناء شعبه الذين كانت مجالسه حافلةً في ديوانه وفي دواره بهم، بل حتى للوافدين لهذه البلاد، كانوا يتوجهون إلى مجلسه الحافل لطلب إنصافهم إن ضاقت عليهم السبل كما شهدته بنفسي غير مرة.

     رحل عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- وقد رتب شأن الحكم من بعده؛ عملًا بوصية والده، ومتابعةً لمنهج إخوانه من قبله، وانطلاقًا من النظام الأساسي للحكم رعايةً لمصالح الوطن والمواطنين ولهذه البلاد التي هي محل عناية المسلمين أجمعين، كما ركان رحمه الله حريصًا على رعاية شؤونهم إبان حياته.

ها هي ذي المملكة العربية السعودية وإن بدت أسيفةً حزينة على رحيل ملكها، لكنها شامخةٌ برسوخ الحكم فيها، نعم لقد أعلن فجر هذا اليوم نبأ وفاة الملك عبدالله رحمه الله وطيب ثراه، لكن لم نشاهد في أرجاء البلاد ولم نسمع عن إجراءات استثنائية ولا قوات عسكرية غير طبيعية، فالمظاهر الحياتية كما هي إلا من حزنٍ يلف أرجاء البلاد وأسفٍ تشعر به الأرواح، وعزاء يتبادله الناس.

ها هي ذي المملكة العربية السعودية بحمد الله وفضله ببركات هذا الشرع المطبق في هذه البلاد قدر المستطاع.

     أسرة كريمة جادت بأئمة كرام، تنافسوا في خدمة شعبهم وفي خدمة الحرمين وفي خدمة الإسلام والمسلمين في أرجاء الأرض، وشعبٌ نبيل ارتضى منهج النبي صلى الله عليه وسلم ، واتبع هديه بالسمع والطاعة لأئمةٍ رفعوا راية الإسلام فسمعوا لهم وأطاعوا، وقدموا لهم البيعة طيبةً بها نفوسهم، يقول رب العزة والجلال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء: 59)، وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع»، فبات هذا الهدي النبوي في البيعة لأئمة المسلمين ضمانةً شرعيةً في الأمن والاستقرار والرخاء.

     اللهم ارحم عبدك خادم الحرمين الشريفين عبدالله بن عبدالعزيز، واجعل نزله في جناة النعيم، اللهم وسدد عبدك خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز ووفقه لما فيه صلاح العباد والبلاد، اللهم ووفق ولي عهده الأمير مقرن بن عبدالعزيز، واجعله عضيد خير وبر وتقوى برحمتك يا أرحم الراحمين.

     أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم، وصلَّى الله وسلم على عبدالله ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:

     فإن من مزايا الشريعة الإسلامية الغراء أن رتبت كل ما يحتاجه الناس لمعاشهم ومعادهم، وأولت الأمور الكبار عنايةً بالغة مما له صلةٌ بالاجتماع واستقرار الأمن، وحصول الخير، ودفع الشر عن الناس، ومن ذلك أن ألزمت شريعة الإسلام بوجود إمامٍ يسمع له الناس ويطيعون في المعروف، جعل الله طاعته ومبايعته دينًا يؤجر عليه المؤمن، كما أن المخالف له متوعدٌ بالعذاب الشديد كما قال رب العزة سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (النساء: 59)، ونحن في المملكة العربية السعودية نستحضر -شاكرين لله- ما أنعم به علينا من وجود هذا الأصل العظيم: إمامٌ قائمٌ بشرع الله، ورعيةٌ تسمع وتطيع بالمعروف، وبهذا كثر الخير وازدهر، وقل الشر وانطمر، برغم ما تموج به كثيرٌ من البلاد من أنواع الاضطرابات، ومن أسباب أحوالها تلك الإخلال بهذا الأصل العظيم، ومما يدل لهذا المعنى العظيم ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من خلع يدًا من طاعة، لقي الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية»، والمراد بالميتة الجاهلية كموت أهل الجاهلية على ضلال ليس له إمامٌ مطاع؛ لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، فكل واحد منهم رأس بنفسه، تختل الأمور بتناحرهم، وليس المراد في هذا الحديث - وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «مات ميتةً جاهليةً» -: أنه يموت كافرًا، بل يموت عاصيًا على ضلال عظيم، ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره، ومعناه أن يموت موت الجاهلي؛ قال الإمام ابن بطال رحمه الله: في الحديث حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جارَ، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خيرٌ من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء، وحجتهم هذا الخبر وغيره.

     قال الإمام النووي -رحمه الله- في هذا المعنى عند قول النبي صلى الله عليه وسلم : «عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثرة عليك»؛ قال الإمام النووي: قال العلماء: معناه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يَشُقُّ وتكرهه النفوس، وفي غيره مما ليس بمعصية، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة كما صرح به في الأحاديث الباقية.

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد استفاض وتقرر في غير هذا الموضع ما قد أمر به صلى الله عليه وسلم من طاعة الأمراء في غير معصية الله، ومناصحتهم والصبر عليهم في حكمهم وقسمهم، والغزو معهم والصلاة خلفهم ونحو ذلك؛ من متابعتهم في الحسنات التي لا يقوم بها إلا هم؛ فإنه من «باب التعاون على البر والتقوى»، وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم، وإعانتهم على ظلمهم، وطاعتهم في معصية الله ونحو ذلك؛ مما هو من «باب التعاون على الإثم والعدوان».

وبهذا استقامت الأمور وصارت في نصابها؛ فأمن الناس وصاروا في معايشهم وفي تعبدهم على خير، وهذه من بركات اتباع الهدي النبوي.

     وقد قرر العلماء أن البيعة تكون من أهل الحل والعقد؛ فقد يتبادر لأذهان بعض الناس أن هذه البيعة تكون لكل فردٍ بعينه، والصحيح ما قرره الأئمة من أنها تكون لأهل الحل والعقد، والمراد بهم أركان الدولة ذو الشوكة من الأئمة والعلماء والوزراء، ومن وجهاء الأمة ومقدموهم ورؤوسهم، فهؤلاء الذين يكون من خلالهم الحل والعقد، ويكون من خلالهم انعقاد البيعة، والواجب على المسلم حتى ولو لم يحضر للبيعة مصافحةً أن يستقر قلبه مؤمنًا مطمئنًّا بأن في عنقه بيعةً لإمام يسمع له ويطيع؛ فإنه إن لم يكن كذلك حق عليه وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأن فيه نوعًا من الجاهلية.

     أيها الإخوة الكرام، إن من نعمة الله جل وعلا برغم ما يلف القلوب من الحزن، والأنفس من الوجوم؛ بفقدنا لإمامنا عبدالله بن عبدالعزيز -طيب الله ثراه وغفر له - أن النفوس تطمئن بما يكون من استقرار الأحوال؛ فإنه ما أن أعلن عن وفاته رحمه الله إلا وقد أعلن مع هذا الخبر المحزن خبرٌ بانتظام الأمور، والتئام الشمل، واستقرار الأحوال، كما هو مشاهدٌ ولله الحمد والمنة، وله الحمد على كل حال، فينبغي أن يستقر في النفوس ما صار في هذه الشريعة الغراء من حفظ للخير، من حفظٍ للأمن، من دفع للفتن، من مباعدة للشرور، وهذا بعض بركات الشريعة الغراء كلما استقام الناس عليها، ورجعوا إليها.

ألا وصلوا وسلموا على خير خلق الله نبينا محمد؛ فقد أمرنا الله بذلك؛ فقال عز من قائل: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (الأحزاب: 56).

     اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم احفظ على بلادنا أمنها واستقرارها، اللهم أصلح أئمتها وولاة أمورها، اللهم ارحم عبدك عبدالله بن عبدالعزيز، اللهم أسكنه جنات النعيم، اللهم ارفع درجاته وتجاوز عن سيئاته وأحسن لنا المنقلب والعقبى يا رب العالمين، اللهم ووفق خلفه سلمان بن عبدالعزيز، اللهم ارزقه البطانة الصالحة الناصحة، وأبعد عنه بطانة السوء، اللهم اجعله فيما فيه خير العباد والبلاد، اللهم اجعله قائمًا بشرعك منافحًا عن دينك ناصرًا له يا رب العالمين، اللهم وأصلح ولي عهده الأمير مقرنًا، اللهم وأصلح وليَّ وليِّ عهده الأمير محمد بن نايف، اللهم وفقهم جميعًا لما فيه الخير والرشاد، اللهم وفقهم لما فيه عز الإسلام والمسلمين يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وأصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم ادفع عنهم الشرور والآثام، اللهم احقن دماء إخواننا المبتلين في كل مكان في الشام واليمن وفي ليبيا وفي غيرها من البلاد يا رب العالمين، اللهم أصلح أحوال إخواننا المبتلين بالاحتلال في فلسطين، اللهم أنزل عذابك ومقتك باليهود الغاصبين يا قوي يا عزيز، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وارحمهم كما ربونا صغارًا، اللهم أصلح لنا نياتنا وذرياتنا، اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads