رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
22 ديسمبر، 2014
3 تعليق

تأكيدا لدورها المحوري والقيادي في المنطقة... السعـودية إذ تقلـم أظــافـر إيـران


على الصعيد الدولي، لا تزال الأزمة الروسية مع الغرب وأمريكا قائمة ولا يلوح في الأفق حل قريب لها، كما أعلنت إيران أنها لن تكون بديلاً لروسيا

 لمعرفة الدوافع الحقيقية لأزمة أسعار النفط الأخيرة لابد من قراءة تاريخ أزمات النفط منذ تفجرها مع حرب1973م

نجح النظام الإيراني بعد انتخاب الرئيس حسن روحاني بإجراء عملية تجميل وجه ملفتة لجهازه السياسي

 كشفت المراسلات بين أوباما وروحاني بخصوص الملف السوري عن حجم الانسجام والتماهي بين الدور الإيراني والأمريكي

 

 

النفط هذه النعمة الربانية التي لا دخل للبشر فيها، يضعها الإله حيث شاء، ويمنعها عمّن شاء، ومع ذلك يعبث بها البشر كسائر نعم الله ويوظفونها لخدمة أغراضهم وأهوائهم ومصالحهم الخاصة. النفط واحد من أهم أدوات ضبط السياسة والاقتصاد العالمي، كما أنه من أبرز محركات التدخل العسكري والسياسي في العصر الحديث، بسببه اشتعلت حروب، وسقطت أنظمة، وقامت منظمات وهيئات، وتشكلت تكتلات، وانهارت اقتصاديات، وارتفعت دول، وتصارعت قوى، وحيكت مؤامرات، وصيغت معاهدات، واندلعت أزمات، وآخرها ما يحدث هذه الأيام من أزمة انهيار أسعار النفط.

ففي غضون الأسابيع القليلة الماضية هبطت أسعار النفط هبوطا قياسيا وصلت الأسعار فيه إلى معدلات ما قبل 2010، مسجلة هبوطا بأكثر من 25% من السعر في أقل من ستة أسابيع لتتسبب في أزمة عالمية تدخلت في عوامل السياسة والاقتصاد والصراع الإقليمي الدولي والتي يتصادف مع وجود معظم بؤر التوتر في أقاليم نفطية ثرية، والغريب أن هذا الانخفاض يحدث في ظل ظروف إقليمية وعالمية تدعو إلى ارتفاع أسعار النفط وليس انخفاضه، فالمنطقة العربية تعيش حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني، فكل من العراق وليبيا يعيشان حروبًا أهلية، والخليج يعيش هلع (داعش) وأحلام المشروع الإيراني التي أصبحت واقعًا على الأرض.

     وعلى الصعيد الدولي، لا تزال الأزمة الروسية مع الغرب وأمريكا قائمة ولا يلوح في الأفق حل قريب لها، كما أعلنت إيران أنها لن تكون بديلاً لروسيا في إمداد الغرب بالنفط والغاز، ولكن لأن سوق الطاقة هو لعبة الكبار، فإن مؤشر الأسعار على ما يبدو تحركه أمور أخرى لا يعلمها إلا الكبار، وإن تبارى المحللون في تفسير أسباب الصعود والهبوط.

     وفي ظل هذه المخاوف المتأججة من مزيد من التدهور في الأسعار وأثر ذلك على الاستقرار العالمي جاء قرار منظمة (الأوبك) ليرسخ هذه المخاوف، فقد اتفق وزراء النفط والطاقة في الدول الأعضاء بمنظمة الأوبك على الإبقاء على سقف الإنتاج كما هو عند 30 مليون برميل يوميا، وأوبك هي منظمة غير حكومية دولية مقرها فيينا تضم 12 دولة منتجة للنفط، التي تضم الجزائر وأنجولا والإكوادور وإيران والعراق وليبيا والكويت ونيجيريا وقطر والسعودية والإمارات وفنزويلا؛ حيث تنتج هذه الدول 40% من إنتاج النفط في العالم.

     وتعمل على إلزام أعضائها بتوحيد نسب الإنتاج مما يؤثر تأثيرا مباشرا على الأسعار، لكن التوازنات السياسية والاقتصادية خلقت فريقين داخل المنظمة، أحدهما مع خفض الإنتاج لرفع الأسعار والآخر ضده. ونجحت السعودية ودول الخليج العربي في الإبقاء على معدل الإنتاج نفسه مما يعني استمرار انخفاض الأسعار خلال الأيام القادمة، بسبب استمرار ارتفاع النسبة المعروضة في السوق، مقابل الهبوط في الطلب. وكثير من المحللين يرى أسبابا موضوعية في الإبقاء على سقف الإنتاج كما هو، ممثلة في بطء النمو الاقتصادي في الصين وأوروبا، وطفرة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، وتحسن سعر صرف الدولار، وموضوع النفط الصخري الأمريكي تحديدا كان المدخل الذي استخدمته السعودية للتأثير على قرار المنظمة، فقد نجح وزير البترول السعودي «علي النعيمي» في إقناع دول المنظمة أنه إذا نجحت المنظمة في رفع سعر النفط في العالم بتخفيض الإنتاج فإن ذلك سيساعد في تحسين صورة الربح الناتج عن النفط الصخري الذي تنتجه الولايات المتحدة الأمريكية، وسيعمل ذلك على تشجيع الحفارات الأمريكية لضخ المزيد من الإمدادات في السوق العالمية؛ مما يجبر دول المنظمة عاجلاً أم آجلاً على زيادة الإنتاج لتبقى أسعار منتجاتهم رخيصة وبذلك تحفظ للمنظمة نصيبها في السوق.

     فهل حقا هذا الإبقاء لأسباب اقتصادية بحتة لا علاقة لها بتوترات الأحداث إقليميا ودوليا؟ أم أنها لعبة سياسية محكمة أرادت بها السعودية التأكيد على هيمنتها على سوق النفط وتأديب عدوها التقليدي والوجودي إيران بتقليم أظافره وردع طموحاته في المنطقة بعد أن أصبحت الهيمنة الإيرانية ممتدة من المحيط إلى الخليج؟

     لمعرفة الدوافع الحقيقية لأزمة أسعار النفط الأخيرة لابد من قراءة تاريخ أزمات النفط منذ تفجرها مع حرب 1973 وغلق صنابير النفط العربي أمام خزانات الاقتصاد الغربية مرورا بأزمات أعوام 79، 80، 88، 90، 2001، 2003، 2008 انتهاء بالأزمة الأخيرة، ففي كل هذه الأزمات كان العامل السياسي هو الأبرز والأكثر تأثيرا بحيث لا يمكن التعويل على قول من يقصر البعد الاقتصادي في تفجير كل هذه الأزمات.

     وكل التحليلات السابقة ترجع إلى لغة القوى الاقتصادية، لكن البُعد الحقيقي من المسألة سياسي بحت، فالسعودية الآن بصفتها متزعمة الأطراف الداعية للحفاظ على نفس نسبة الإنتاج تريد توجيه ضربة سياسية مؤثرة بغرض إيقاع الضرر باقتصاديات إيران وروسيا، وهذا الأمر أشبه بتوافق الثمانينيات الذي هبط بأسعار النفط إلى مستوى كاد يقوض اقتصاد الاتحاد السوفيتي وإيران، وأسهم في النهاية في الإسراع بالانسحاب السوفيتي من أفغانستان وقبول طهران بوقف إطلاق النار في الحرب مع العراق.

      فالسعودية لها كثير من المسوّغات والدوافع حتى تقوم بهذا الإجراء التأديبي بحق إيران وروسيا وبالأخص إيران، فروسيا هي المنافس الرئيس للسعودية في مجال النفط والطاقة، كما أنها وهو الأهم الداعم الأساسي للطاغية بشار، واللاعب الدولي المؤثر في قرارات الأمم المتحدة بما يملكه من حق النقض (الفيتو).

     أما بالنسبة لإيران فالأمر أكبر واخطر من روسيا بكثير، فالخطر الإيراني على السعودية هو خطر وجودي مزيج من أحقاد طائفية وطموحات إقليمية وهلاوس تاريخية، والسعودية حاولت في مناسبات عدة التقارب مع إيران لإنهاء حالة التوتر الإقليمي الذي لا ينتهي بسبب مشاريع إيران الطائفية، ولكن كما تقول العرب «الطبع يغلب التطبع» وكما قال الشاعر:

 كل العداوات قد ترجى مودتها

                                            إلا عداوة من عاداك في الدين

     فقد نجح النظام الإيراني بعد انتخاب الرئيس حسن روحاني بإجراء عملية تجميل وجه ملفتة لجهازه السياسي، مؤهلة للعمل على جبهة تطبيع أوضاع إيران مع العالم، بعد أن استعصى ذلك أيام الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، الذي كان وجه النظام الإيراني المشاكس والذي لا يكفّ عن تحقير مأثورات ومسلّمات العالم الغربي حول «الهولوكوست» وحقوق الإنسان وقضايا أخرى عديدة.

     غير أن النظام نفسه الذي يرأسه الرئيس المبتسم دائما حسن روحاني، ويرأس سياسته الخارجية الدبلوماسي المحنك محمد جواد ظريف، هو نفسه الذي أعلن عن إنشاء مصانع الصواريخ في سوريا، وأعلن عن اتفاقه مع روسيا على تأسيس ثمانية مفاعلات نووية جديدة، وهو نفسه الذي يقود جنراله قاسم سليماني بنفسه معارك الميليشيات العراقية والحرس الثوري الإيراني لإعلاء راية إيران فوق كل الرايات في العراق.

     ونظام إيران ذو الوجه المعتدل المصطنع هو نفسه الذي أسهمت أمواله وأسلحته وخبراته العسكرية والأمنية والإلكترونية وميليشياته العراقية واللبنانية في منع سقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وفي استمرار المأساة السورية قتلاّ وتهجيراً وتمكيناً للماكينة الأمنية لنظام دمشق.

وهو نفسه الذي موّل وسلّح ووجّه الميليشيات الحوثية ودفع باليمن إلى هوّة الاستقطاب الطائفيّ وأخذ به نحو الانهيار، وهو الذي مكّن (حزب الله) اللبناني من زمام لبنان وجمّد الرئاسة والحكومة والبرلمان، جاعلاً الجمهورية بأكملها رهينة لقرار خامنئي.

     ولأن التقية هي الأساس الاستراتيجي للدين والسياسة الإيرانية فإن طهران لم تأنف من التعامل مع من تعدهم خصوماً أيديولوجيين، من تنظيم (القاعدة) الذي كانت أراضيها ملاذاً آمناً لبعض قياداته، إلى الكيان الصهيوني التي انفضح أمر صفقة سلاح معها أثناء حربها مع العراق التي تتشارك معها تمسكها الموضوعي بنظام الأسد، كما أنها تقوم بدعم وتسليح وتمويل أحزاب إسلامية (سنّية) وكردية «علمانية» أيضاً.

     كما تمكن النظام في طهران بدربة طائفية شديدة الاحترافية من جمع شعوب إيران خلفه، وفي المنطقة اعتمد وسطاء مثل سلطنة عُمان، واستفاد من ميزان تعاملاته المالية الهائل مع الإمارات، ولعب على الخلافات بين دول الخليج، وكذلك بين الدول العربية، كما استثمر في الصراع بين الروس مع الولايات المتحدة الأمريكية.

     وأخيرا كشفت المراسلات بين أوباما وروحاني بخصوص الملف السوري عن حجم الانسجام والتماهي بين الدور الإيراني والأمريكي، وكيف أن الشراكة بين الجانبين قد وصلت مستويات غير مسبوقة في ظل توارد الأنباء عن عزم إدارة أوباما على تسليم ملف الخليج الشائك برمته إلى الجانب الإيراني بعد أن أحكمت إيران قبضته على أطراف المنطقة باقتدار، وبعد خروج مصر نهائيا من معادلة التوازن الإقليمي بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو.

     كل هذه المتغيرات والتحركات الإيرانية كان يجب التصدي لها بكل الوسائل المتاحة ولا يوجد أفضل ولا أكثر تأثيرا من العامل الاقتصادي لردع الصقر الإيراني وتقليم أظافره، والنفط خير أداة لتحقيق هذه الأهداف، فقد انعكس الانخفاض الملحوظ في أسعار البترول في الآونة الأخيرة، بشكل سلبي على الاقتصاد الإيراني الذي يعاني بالأصل وطأة العقوبات الدولية المفروضة عليه.

     الخبير الإيراني (مير جوانفادر) في تصريح له مع وكالات الأنباء الأمريكية قال: أن السعودية تحاول إلحاق الضرر بالاقتصاد والقوة العسكرية الإيرانية، من خلال خفض أسعار البترول، مشيرًا إلى أن الحرس الثوري الإيراني الذي يدعم مجموعات مسلحة معادية للسعودية في سوريا والعراق ولبنان، يملك حصة في قطاع النفط الإيراني.

     وهو الرأي نفسه الذي ذهب إليه رئيس نادي البوسفور وجمعية المصادر العالمية (محمد أوغوتجو)، أن انخفاض أسعار البترول وجه ضربة لقطاع الصناعات الهيدركربونية التي كان الإيرانيون يحاولون دعمها بالتكنولوجيا، بعد أن تأثرت إلى حد كبير بالعقوبات المفروضة، مشيرًا إلى أن تزامن انخفاض أسعار البترول مع ازدياد التوتر الجيوبولوتيكي في المنطقة، وتقدم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، عمّق آلام الاقتصاد الإيراني؛ وهذا قد يدفع إيران لأن تتحول من قوة تريد النفوذ في المنطقة إلى بلد قانع بحدوده وجغرافيته.

     وذكر تحليل أعده (جون ألين جاي)، مؤلف كتاب: (الحرب مع إيران: العواقب السياسية والعسكرية والاقتصادية)، أن الرئيس الإيراني (حسن روحاني) يشعر بعدم الارتياح إزاء انخفاض أسعار النفط الحالي؛ حيث وعد إبان حملته الانتخابية بتحقيق الازدهار الاقتصادي وخفض التضخم، وأن تكون إيران واحدة من أكبر 10 اقتصاديات في العالم خلال 30 عامًا.

     وأشار التحليل الذي نشرته مجلة (ناشيونال إنترست) الأمريكية، إلى أن إيران وضعت ميزانية العام الحالي على أساس أن سعر النفط 100 دولار للبرميل، وصادرات النفط 1.5 مليون برميل يوميًا، وتفاءلت بعد أن وصلت أسعار النفط ذروتها في يونيو الماضي، عند 113 دولارًا للبرميل.

وأضاف التحليل، أن تراجع سعر النفط يزيد من تكلفة الفرصة البديلة في حالة عدم التوصل إلى اتفاق؛ لأن هذا يقلل نفوذ إيران على طاولة المفاوضات، ويقلل كثيرا من طموحاتها في اليمن والعراق.

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads