رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
1 ديسمبر، 2014
3 تعليق

مختصون: الإدمان سلوك إجرامي تستوجب محاربته تضافر الأسرة والمجتمع- المخدرات.. آفة السلم الأسري

لقد أصبحت المخدرات آفة من آفات هذا العصر وتفاقمت تلك الآفة وازدادت انتشاراً في العالم أجمع، وأصبحت المجتمعات المعاصرة تخشى آثار تلك الآفة على شبابها واقتصادها ومستقبلها.

ووصل الأمر بتلك المشكلة بأن أصبحت ترتبط بمشكلات أخرى عديدة مثل انتشار الجريمة، وما يصحب ذلك من تفكك المجتمع وتحطم كيان الأسرة.

حديث مؤلم

     في البداية قال الشيخ إبراهيم بن صالح العجلان أستاذ الحديث والتفسير في جامعة الملك سعود وخطيب جامع عبد العزيز بن باز -رحمه الله- بحي الغدير «إن الحديث عن المخدرات والمسكرات، وآثارها ومآسيها حديث مؤلم، ولكن السكوت عنه لا يزيد الجرح إلا إيلاماً، فالمخدرات كبيرة فشت في مجتمعات المسلمين، وعلا دخانها، وكثر التشاكي منها، بل إن خطرها لا يقل عن خطر الحروب، يدرك حجم مخاطرها من نزل الميدان، وعايش المأساة، ووقف على لغة الأرقام، ومع ما سنَّته بلادنا من عقوبات صارمة لملاحقة هذه الجريمة وأهلها إلا أنَّ طوفان المخدرات ما زال يدمر ويمزق، تئن منه أروقة المحاكم، وجدران السجون، وخفايا البيوت.

واجب علينا آباء ومسؤولين، ومربين ومواطنين استشعار هذا الداء واسترهابه، وأن نتعاون جميعاً على منابذته وبيان أضراره، فشبح المخدرات يستهدف المجتمع كله، في تدينه واقتصاده، وصحته وأخلاقه، وتماسك أُسره، واستقرار معيشته».

اضطراب بناء الأسرة

كما يذكر الأستاذ ماجد بن سالم الفيصل مرشد علاج الإدمان والاختصاصي النفسي «أن الأسرة هي النواة الأساسية للمجتمع. وهي التي تتولى عملية نقل ثقافة المجتمع وقيمه وتقاليده وعاداته إلى الأجيال المتعاقبة.

والأسرة المسلمة تقوم بذلك الدور، ويناط بها أيضاً مهمة نقل الثقافة الإسلامية إلى جيل الأبناء.

وعندما يدمن أحد أفراد الأسرة المسلمة على المخدرات يضطرب بناء الأسرة اضطراباً شديداً، لما في سلوك الإدمان من انحراف ومخالفة لتعاليم الدين الإسلامي الحنيف وقيمه، وتصاب الأسرة بجرح عميق الأثر، وتظهر لدى أفراد الأسرة مشاعر مؤلمة وهي خليط من الخجل والقلق والاكتئاب والإحباط»

سلوك بشري

ويوضح الاختصاصي النفسي خالد أحمد الملاحي من مجمع الأمل للصحة النفسية بالرياض – ماجستير علاج سلوكي من جامعة (نوتنقهام) في بريطانيا: معنى الإدمان وما هو؟

     بقوله: «فالإدمان سلوك بشري يتجلى في عدم قدرة الإنسان على الاستغناء عن شيء ما، بصرف النظر عن هذا الشيء. فقد يكون الإدمان على الإنترنت أو على القمار أو على الألعاب الإلكترونية أو على شرب القهوة، كما أن صوره تختلف من مجتمع لآخر على حسب المتغيّرات التي يفرزها كل عصر. وجميع أنواع الإدمان وإن كانت غير متساوية في ضررها على المدمن إلا أنها لا تخلو من انعكاسات سلبية سواء عليه أم على المحيطين به.

مفهوم الإدمان في الحاضر

ويضيف الاختصاصي خالد الملاحي – كما أن مفهوم الإدمان في وقتنا إذا أطلق انصرفت الأذهان إلى المخدرات بسبب الانتشار الوبائي لهذه الآفة إذ تأتي على رأس مشكلات المجتمع وقضاياه التي تحتاج إلى تدخل سريع وفعال.

     إلا أن الملاحظ أن هذا المفهوم ما زال مضطرباً وغير واضح المعالم؛ مما انعكس على أسلوب التعاطي معه أسهم في ذلك أسباب نفسية وتربوية وإرشادية عدة، وكمثال على ذلك نموذج المدمن التي تروج له الدراما العربية؛ حيث تركز على الجانب الجسدي للمدمن المرتبط بنوبات العنف والأعراض العضوية الظاهرة، بينما تغفل الجانب الأسوأ للإدمان وهو الإدمان النفسي.

المقصود من الإدمان

     ويضيف أيضاً وهنا يحسن بنا الإشارة إلى تعريف بسيط يوضح المقصود من الإدمان فنقول: إنه تكرار تعاطي مواد كيماوية أو طبيعية؛ بحيث لا يتمكن المدمن من ممارسة حياته العادية بدون الاعتماد على هذه المواد مما يؤدي إلى حالة اعتماد عضوي أو نفسي أو كليهما، مع ظهور متلازمة السحب في حالة الانقطاع. والمقصود بالإدمان العضوي: حالة يتعود فيها الجسم على المواد المخدرة ليؤدي وظائفه الفسيولوجية وفي عند غياب تلك المواد تختل تلك الوظائف وينتج عنها أعراض انسحابية جسدية مثل آلام المعدة والصدر والصداع والقيء ورشح الأنف والرعشة في الأطراف والتعرّق ونقص الوزن وارتفاع الضغط وسرعة النبض والخمول.

أما الإدمان النفسي فالمقصود به رغبة المدمن في الحفاظ على الأحاسيس والمشاعر واللذة الناجمة عن التعاطي لضمان الاستقرار النفسي، أما الأعراض الانسحابية النفسية فتظهر على شكل قلق أو اكتئاب أو مخاوف وهمية أو شعور بالذنب وفقدان للشهية.

غرس القيم والسلوك الحسن

     وتشاركنا الأستاذة: شيخة بنت حمد الهاجري، ماجستير قسم خدمة اجتماعية تخصص علاج، موظفة بشعبة الشؤون الوقائية بإدارة الشؤون النسوية بالمديرية العامة لمكافحة المخدرات بضرورة الحرص على النشء قبل حصول الإدمان بقولها: «لا شك أنه عندما يكون الوالدين على قدر من المسؤولية والتقيد بالأخلاق الفاضلة، من هنا يبدأ غرس القيم والسلوك الحسن في الأبناء، فالمنزل هو المدرسة الأولى في حياتهم ومنه ينطلق توجه أفراد الأسرة ومدى قدرة الوالدين في إيضاح الخطر الذي يسببه تعاطي المخدرات على الفرد والمجتمع، ومن أهم أسباب إدراك الأبناء لخطورة المخدرات الترابط الأسري ومدى تقبّلهم للتوجيهات من الوالدين والاستماع لهم واحتوائهم ومناقشتهم عن مشاكلهم ومحاولة مساعدتهم في حلها والمعرفة التامة بأصحابهم وتوجيههم إن حصل منهم ما يدعو للتدخل المباشر من الوالدين».

سن حرجة

     وشاطرها الرأي المرشد والاختصاصي ماجد بن سالم الفيصل بأنه تشير الدراسات في مجال الإدمان أن علاقة المدمنين مع المخدرات تبدأ في سن المراهقة وهي سن حرجة وتحتاج من الآباء والأمهات إلى تفهم طبيعة تلك المرحلة حتى يعبر الأبناء تلك المرحلة وهم في أمان من أي أعراض وفيما يلي بعض النقاط المهمة في بناء شخصية الأبناء في تلك السن المبكرة وهي تساعد على بناء الشخصية للأبناء المراهقين على نحو إيجابي ومنها:

1- تنمية وتقوية الجانب الديني لديهم بالترغيب والقدوة واصطحابهم إلى المسجد للصلاة.

2- تنظيم شغل أوقات الفراغ بأشياء مفيدة للمراهق ويساعده على ذلك وجود مكتبة بالمنزل ومعرفة هواياتهم المفيدة ودعمها.

3- عمل اجتماعات أسرية أسبوعية للاستماع إلى الأبناء وتشجيع المراهقين من أفراد الأسرة على التعبير عن أنفسهم شفهياً والاستماع الجيد لهم واتخاذ إجراءات ملموسة لحل مشكلاتهم إذا عبروا عنها أولاً بأول.

4- الحب والحنان وتقبيل الأبناء وإشعارهم بالسرور لرؤيتهم.

5- تدريب الأبناء على تحمل المسؤولية وإسناد بعض المهمات الأسرية إليهم.

6- عمل برنامج ترفيهي وترويحي للأسرة خلال الإجازات والعطلات الدراسية.

7- تقديم هدايا رمزية للأبناء في المناسبات المختلفة مثل حفظ القرآن الكريم، النجاح الدراسي.

السلوكيات الإيجابية

العوامل المسببة للإدمان:

     وقال د. سلمان العواد استشاري اجتماعي في علاج الإدمان أن العوامل المسببة للإدمان إما نفسية كالضغوط النفسية والشعور بالنقص والرغبة الشخصية والتوهم بأن التعاطي يدل على الاستقلالية ويزيد من القوة الجسدية، وإما الاجتماعية كرفقاء السوء والتفكك الأسري والنزاعات والصراعات التي تلقي بظلالها سلبياً على الأبناء وكذلك النشأة الأسرية الفاسدة من حيث التفرقة في التعامل مع الأبناء وعدم مساعدتهم فيما يمس أمورهم الشخصية والمبالغة في القسوة أو التدليل في التربية وإهمال الأبناء بصورة تامة وغيرها من العوامل.

بواعث متعددة

ومن جانبه أكد الشيخ إبراهيم بن صالح العجلان على أن الأسباب كثيرة، والبواعث متعددة، ولكن يمكن إجمالها أمور سبعة:

- أولها وأهمها: ضعف الإيمان، وخواء الأرواح من تعظيم الله ومحبته، مما سبب استصغار الكبائر، واللهث وراء حياة الغفلة والإعراض، فلا إيمان يمنع من محرم، ولا مروءة تردع من عيب.

- ثانياً: الهروب من الواقع السيئ، ومن مصائب الدنيا ومكدراتها، كحياة الفقر، وتراكم الديون، وضيق العيش، فيظن هذا المسكين أن سبيل المخدرات يخفف عنه هذه المعاناة الجاثمة على صدره، وما علم أنها نفق مظلم، ونهاية سوداء مأساوية إن لم يتداركه الله برحمته.

- ثالثاً: رفقة السوء… وإذا اجتمع الفراغ مع صاحب السوء، مع البحث عن المتعة في غير محلها فهي التي تشعل نار المخدرات في أي لحظة، واسمع واقرأ زفرات وحسرات عشرات التائبين العائدين من الإدمان يُصدِّرون مأساتهم مع المخدرات بقولهم: أغراني بها رفقاء السوء.

- رابعاً: ومن أسباب التعاطي حب الاستطلاع والتجربة، والرغبة في اقتحام سور الممنوع، ولاسيما من هم في مرحلة الشباب، ومن سمات شخصية المراهق المشاهدة: حبه لمحاكاة غيره، ومجاملته لأقرانه، ومجاراته لمن هو في سِنّه وإن كان هذا الأمر معيباً أو محرماً.

- خامساً: ولتفكك الأسرة دور كبير في ضياع الأولاد، فتضعف حينها التربية، ويقلل التوجيه، وتصعب المتابعة، فيصبح من هذه حالهم لقمة سائغة، وصيداً سهلاً لمروجي المخدرات.

- سادساً: السفر إلى الخارج سبب مذكور من أسباب التعاطي، في دراسة أجريت على متعاطين في السعودية والكويت والبحرين تبيّن أن 52% من هؤلاء سافروا بصحة وعافية، لكنهم عادوا إلى بلادهم بداء الإدمان.

- سابعاً: ولا ننسى الدور السيئ الذي تغرسه الأفلام الهابطة التي تصور شارب الخمر في مناظر فاضحة، ورقصات ماجنة، وتقديمها في قالب التمدن والتطور، فيعتقد المشاهد المغفل وسفيه العقل أن هذا سبيل وطريق للسعادة المفقودة.

علامات تدل على المدمن

     كما تفضلت الأستاذة شيخة الهاجري بتوضيح العلامات التي تدل على إدمان الابن بقولها: «لعل من أهم العلامات هي التغير المفاجئ في السلوك المصحوب باللامبالاة مع الإحساس بالخوف أحياناً، وكثرة الخروج من المنزل، والفوضى والإهمال العام في جميع واجبات حياته وحتى المظهر الخارجي لشخصه، يرفض النصح والإرشاد، ويفضل العزلة والانطواء، الاختلال في الشهية الطعام، شحوب الوجه، الحاجة المستمرة للمال وقد يلاحظ فقدان بعض الأغراض الثمينة، العدوانية والميل إلى العنف شبه متلازمين عند الشخص المتعاطي،

العثور على آثار للتعاطي كضبط قطعة مخدرو الأدوات المستخدمة في عملية التعاطي وقد يلاحظ علامات تظهر في جسده».

وقفة حزم

     ويؤكد د. سلمان العواد استشاري اجتماعي في علاج الإدمان -عند اكتشاف الأسرة بوقوع أحد أفرادها في التعاطي فلا بد لها أن تقف وقفة حزم وعدم تهاون وعدم مكابرة، وعدم القيام بمحاولة حل المشكلة بالمفاوضة ونحوه وذلك خوفاً من الفضيحة أو غيره؛ لأن هذا سيزيد من المشكلة تماماً فالقاعدة هي «عدم التفاوض في العلاج» إما أن يقف فورا أو يذهب معكم للعلاج أو يتم إبلاغ إدارة مكافحة المخدرات للقبض عليه وتوجيهه لمستشفيات الأمل بالمملكة لعلاجه علماً بأن هذا إجراء يتم بكامل السرية، وبعد تعافي المريض وعلاجه هنا نبدأ بتقديم ما نرغب في تقديمه من أجل استمراره في التعافي

طلب المساعدة

     ويشاركه الرأي الاختصاصي النفسي ماجد بن سالم الفيصل أنه إذا تعذر على الأسرة إحضار المريض للمشفى للعلاج أو تعذر إقناعه بالعلاج يمكن للأسرة أن تطلب المساعدة من الجهات الأمنية المختصة بمكافحة المخدرات، وسوف تجد منها العون والمساعدة الإيجابية، مع المحافظة على سرية التدخل وحفظ واحترام خصوصيات الأسرة؛ لأن هدف الجميع هو حماية الأسرة وعلاج المريض.

خندق واحد

     وفي الختام يوجه الشيخ إبراهيم العجلان كلمة للمجتمع بقوله: «الجميع في خندق واحد، والكل واجب عليهم اقتسام المسؤولية، كل بحسبه ومكانته، وقدراته، فالجهات المختصة لها دورها الأمني، والأب في مملكته عليه حمل التوجيه، والمعلم في فصله عليه عبئ التربية، وأهل العلم في مساجدهم ومحاربهم لهم دورهم، وصاحب القلم، والمسؤول، وذو الجاه، وكل غيور محب لدينه وبلده لهم مواقفهم المنتظرة بالكلمة والنصيحة والبيان.

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads