رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
24 نوفمبر، 2014

تونس وسيناريوهات ما بعد الانتخابات

تستطيع النهضة تشكيل تحالف مع قوى برلمانية أخرى تشعر بالخطر من نداء تونس، يعرقل منح الثقة لحكومة نداء تونس

نداء تونس لن يسعى لإقامة نظام استبدادي أو الاصطدام بالنهضة على الأقل في السنوات الأولى من حكمه

 كانت نتيجة الانتخابات البرلمانية التونسية بمثابة المفاجأة؛ حيث فازت حركة نداء تونس بـ85 مقعدًا مكّنها من تصّدر المشهد الانتخابي، تليها حركة النهضة بـ69 مقعدًا، وحلت أحزاب علمانية في المراكز التالية، أما شريكا حركة النهضة السابقين في الحكم فقد حلا في مراكز متأخرة جدا، وهذه النتيجة شكلت صدمة لكثير من المتابعين، ولاسيما أنها أعادت بعض رموز نظام ابن علي الذي قامت ضده الثورة قبل أربعة أعوام.

     ينظر الكثيرون لهذه الانتخابات ونتائجها، بعدِّها أول تجربة ناجحة لنقل السلطة في بلد انطلقت منه شرارة الربيع العربي، وظل تحت الاستبداد والقهر لعقود طويلة، فهي خطوة مهمة في عملية التحول الديمقراطي حتى لو لم تسفر عن النتائج المرجوة، أو كانت سبيلا لعودة بعض رموز النظام السابق، ومن المعروف للسياسيين أن النظام الديمقراطي يختلف اختلافا كثيرا عن مرحلة التحول الديمقراطي.

طبيعة الحكم:

     يعد تصدر نداء تونس لنتائج الانتخابات بمثابة تكليف لبدء تشكيل حكومة جديدة تحظى بثقة البرلمان المنتخب، وهنا تظهر تساؤلات عدة حول النهج السياسي الذي سينتهجه الحزب في المرحلة المقبلة وحتى انتهاء الدورة البرلمانية الحالية، فهل ستعيش تونس حالة من الاستقرار السياسي خلال الفترة المقبلة، ما يجنبها مصيرا سيئا كما حل بغيرها من دول الربيع العربي، في ظل وجود قوى إقليمية ودولية تسعى إلى القضاء نهائيا على أية نتيجة للربيع العربي، وتحويله إلى خريف تساقطت خلاله أوراق الدول العربية؟، وهل يريد نداء تونس حكما ديمقراطيا يكون مستعدا مع نهاية الدورة البرلمانية لإجراء انتخابات ديمقراطية كتلك التي فاز فيها، ويسلم فيها السلطة إن خسر في الانتخابات؟، أم أنه سيستغل هذه السنوات المقبلة لإقصاء خصومه السياسيين، ولاسيما حركة النهضة ويسعى لتقوية مركزه السياسي؟!.

     المتابع لحزب نداء تونس يرى بوضوح مدى ارتباطه الوثيق بنظام الرئيس الهارب بن علي، بل إن قادة الحزب أعلنوا في أكثر من مناسبة أنهم يفتخرون بكونهم امتدادا لنظام ابن علي، وهو ما يظهر طبيعة النظام الاستبدادي الذي سيتجه إليه الحزب في حال وجد الساحة خالية أمامه، ولكن الوضع في تونس اليوم لا يتيح لنداء تونس السير في هذا الاتجاه بسلاسة، وذلك للأسباب الآتية:

1- أن حركة النهضة حصلت على أكثر من ثلث البرلمان الجديد البالغ عدد أعضائه 217 عضوا، وهو ما يعني قدرتها على عرقلة مشاريع القوانين الرئيسة، وهو ما يحرم نداء تونس من سن قوانين من شأنها التضييق على حركة النهضة أو أي قوة سياسية أخرى وإبعادها عن المشهد السياسي في البلاد، كما أنه في حال ذلك تستطيع النهضة تشكيل تحالف مع قوى برلمانية أخرى تشعر بالخطر من نداء تونس، يعرقل منح الثقة لحكومة نداء تونس، وربما تشكل حكومة أخرى تابعة لهذا التحالف.

2- الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها تونس التي كانت عامل ضغط سابقا على (الترويكا)، ستكون أيضا عامل ضغط على نداء تونس من أجل تحقيق الاستقرار السياسي، الذي يعود بتأثير إيجابي على الأوضاع الاقتصادية.

3- التحدي الأمني الذي تواجهه تونس؛ حيث شهدت منذ الإطاحة بالنظام السابق العديد من الحوادث الأمنية والعمليات المسلحة، وفي ظل تصاعد نفوذ تنظيم (الدولة الإسلامية) المعروف باسم (داعش)، واستهداف رجال الأمن في الكثير من المناطق، وهو ما يجعل هناك حاجة ملحة للوصول إلى توافق ما مع حركة النهضة من أجل مواجهة ما يسمى بالفكر (المتطرف)، وأفكار المسلحين، ومع القوى الأخرى لتهدئة الشارع السياسي.

4. الذكاء السياسي للنهضة وقدرتها على قراءة المشهد السياسي بدقة، ومرونتها في مواجهة التحديات السياسية وتقديم التنازلات المناسبة أو اقتناص الفرص المناسبة، وهو ما يجعلها قادرة على حفظ مكان مناسب لها في المشهد التونسي خلال الفترة المقبلة.

5. التوتر الناتج عن محاولات إقصاء الإسلاميين في دول الجوار، وأعني تحديدا مصر وليبيا، فرغم قوة الأجهزة الأمنية المصرية وكذلك الأجهزة الاستخباراتية، إلا أن مصر تشهد منذ الإطاحة بالرئيس ذي الخلفية الإسلامية محمد مرسي، والبلاد لم تعرف معنى الاستقرار، وتشهد تدهورا اقتصاديا ملحوظا، كما فشلت كذلك محاولات إقصاء الإسلاميين في ليبيا وأدى ذلك إلى وجود برلمانين وحكومتين بينهما صراع قانوني وسياسي، كل هذا من شأنه التأثير على أي قرار لإبعاد وإقصاء الإسلاميين في تونس.

شكل الحكومة:

     من خلال ما سبق يمكن القول إن نداء تونس لن يسعى لإقامة نظام استبدادي أو الاصطدام بالنهضة على الأقل في السنوات الأولى من حكمه، وذلك حتى يستتب له الأمر، ويكون لديه القدرة على اتخاذ خطوات جريئة في هذا الاتجاه، وخلال تلك الفترة سيسعى الحزب إلى احتواء حركة النهضة، سواء بضمها إلى الحكومة أم القبول بها بوصفها طرفا قويا في المعارضة، أو تكون هي قوى المعارضة الوحيدة لائتلاف حكومي، وفيما يلي السيناريوهات المحتملة لشكل الحكومة المرتقب:

1- حكومة الحزب الواحد: والمقصود تفرد حركة نداء تونس بتشكيل الحكومة الجديدة، مع رئاسة البرلمان التونسي الجديد، ورفض تشكيل أي تحالف انتخابي مع حركة النهضة أو غيرها، وحينها سيتحمل الحزب وحده نتيجة سياساته أمام الشارع الذي لا يزال ينبض بالثورة، لكنه سيجد نفسه أمام معارضة واسعة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار وفي القلب من ذلك خصمه الأساسي (حركة النهضة).

2- التحالف العلماني: ونعني به قيام حركة نداء تونس بالتحالف مع الأحزاب العلمانية الرئيسة، لتشكيل حكومة ائتلافية واختيار رئاسة المجلس التشريعي الجديد، ويمكن لهذا التحالف إن تم تشكيل الحكومة بسهولة ويسر دون أن تستطيع حركة النهضة أو غيرها عرقلة منحها الثقة، وحينها ستكون المعارضة السياسية هي معارضة إسلامية.

3- تحالف نداء تونس مع النهضة، وهو خيار مستبعد نظرا للتصريحات الصادرة من قادة نداء تونس وعلى رأسهم الباجي قائد السبسي، كما أن نداء تونس قد يوجه ضغوطا وانتقادات كثيرة من مؤيديه في الشارع التونسي، الذين انتخبوه للإطاحة بحركة النهضة وإبعادها عن سدة الحكم في البلاد، إلا أن عوامل الضغط الأخرى لا تجعل من هذا السيناريو مستحيلا، وقد يلجأ إليه نداء تونس في مرحلة من المراحل، كما اضطرت النهضة سابقا إلى التنازل عن الحكم.

4- حكومة كفاءات مستقلة (تكنوقراط): وهو السيناريو الذي تؤيده حركة النهضة، وهو ذاته الذي جنب تونس مصيرا مختلفا العام الماضي، حينما بدأت مظاهر الانقلاب الناعم على (الترويكا)، لكن النهضة أحبطته عبر التخلي عن الحكم وتشكيل حكومة كفاءات، لكن نداء تونس غالبا ما سيرفض هذا السيناريو؛ لأنه حينها سيكون بعيدا عن الحكم، وهو يريد بسط سيطرته على البلاد، لتحقيق أهدافه وسياساته.

     هذه هي سيناريوهات مستقبل الحكم في الدولة التونسية في الفترة القصيرة المقبلة، ولكن لا يمكن في هذا السياق تجاهل الأطراف الخارجية المؤثرة في المشهد التونسي، وأدواتها التي تعمل من خلالها ولها تأثيرها الكبير على عملية صنع القرار السياسي والأمني على حد سواء، أو مصالح ذوي النفوذ والسلطة؛ وكذلك لا يصح تجاهل ما يجري في المنطقة من مؤامرات وحيل قذرة لإجهاض ما تبقى من ثورات الشعوب تحت مسميات مختلفة، وتخصيص أموال طائلة وأجهزة كاملة لتحقيق ذلك الهدف، حماية لأنظمة وكراسي أخرى تأبى أن تنصاع لمصلحة الأمة ومصالح شعوبها وإرادتهم.

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads