رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
18 نوفمبر، 2014
3 تعليق

الوجود الإسرائيلي في إفريقيا دوافعه وأدواته- نظرة تاريخية (2)

قامت إسرائيل أيضاً بتدريب عدد من الأفارقة لتنظيم الخدمة العسكرية في بلادهم

تسعى إسرائيل إلى استغلال الدول الإفريقية للتجسس على مصر والسودان والصومال وجيبوتي وشمال إفريقيا

 

ذكرنا في العدد الماضي أن إسرائيل ركزت سياستها في القارة الإفريقية من خلال أنشطة عدة، وتكلمنا في العدد الماضي عن النشاط السياسي، واليوم نفصل القول عن نشاطين من أهم الأنشطة التي اعتمدت عليها السياسة اليهودية لاختراق القارة الإفريقية وهما: النشاط الاقتصادي والنشاط العسكري.

النشاط الاقتصادي

     أما عن النشاط الاقتصادي فإن إسرائيل تعد إفريقيا مجالاً حيوياً لتوسيع تجارتها، والملاحظ أنه بالرغم من ضآلة نسبة حجم التجارة الخارجية لإسرائيل مع الدول الإفريقية مقارنة بعلاقة إسرائيل بالأسواق الأوروبية والأمريكية؛ فإن الاهتمام المتزايد الذي تبذله إسرائيل لغزو الأسواق الإفريقية يُعد متسارعاً؛ حيث تطوّرت تجارة إسرائيل مع الدول الإفريقية وأخذت تميل لمصلحتها, فتضاعف حجم تجارتها مع دول القارة في الفترة من سنة 1957م إلى 1962م، ثم اطردت الزيادة حتى بلغت نحو 143,1 مليون دولار سنة 1975م.

واتبعت إسرائيل استراتيجيات عدة من أجل تفعيل نشاطها الاقتصادي في القارة الإفريقية، ويتمثل ذلك في الآتي:

أ - مسح الأسواق الإفريقية: إعمالاً لمخططها لجأت سلطات الكيان الإسرائيلي إلى مسح الأسواق الإفريقية وإعداد دراسات عن أوضاعها وطاقتها الاستهلاكية, وقد أوفدت لهذا الغرض بعثات تجارية في مهمة دراسية ميدانية, وقد تمكنت هذه البعثات من إعداد دراسات عن كل بلد في القارة من حيث التركيب الاقتصادي وظروفه واحتياجات أسواقه من السلع، وكانت غانا هي أول دولة يتم إجراء دراسة فيها, ثم إثيوبيا وأوغندا وكينيا.

ب - عقد الاتفاقيات التجارية: حرص الكيان الصهيوني منذ بدء غزوه الاقتصادي للقارة الإفريقية في النصف الثاني من الخمسينيات على عقد اتفاقيات تجارية مع مختلف الدول الإفريقية، وانطلاقاً من هذا الحرص لجأت إسرائيل إلى فتح ملحقيات تجارية تتولى مهمة تطوير التجارة بين الكيان الصهيوني والأقطار الإفريقية، وكانت أول اتفاقية أبرمت مع (غانا )عام 1958م بهدف تحديد حجم التبادل التجاري, ووقّع الكيان الصهيوني اتفاقيات مع عدد من الدول الإفريقية الأخرى، مثل: إثيوبيا وأوغندا وإفريقيا الوسطى ومالي والكنغو.

ج - تقديم التسهيلات المالية: من الوسائل التي استخدمتها إسرائيل من أجل تطوير آفاق التجارة مع الأقطار الإفريقية تقديم التسهيلات المالية والقروض والائتمانات؛ وذلك لتمكين هذه الأقطار من استيراد السلع من الكيان الصهيوني, التي تشكّل مواد أولية.

د - إقامة المعارض التجارية الثابتة والمتنقلة: استخدمت هذه المعارض من أجل الترويج للمنتجات الإسرائيلية والدعاية لها وكسب الزبائن والأسواق, كما عمدت إسرائيل إلى توجيه الدعوات للحكومات الإفريقية للاشتراك في المعارض التي تُنظّم في القارة الإفريقية، فقد اشتركت عام 1967م في معرض غانا الدولي, ونظّمت أكبر جناح في المعرض، ثم في زامبيا عام 1967م, ونيروبي وأديس أبابا 1968م.

     كما سعت إسرائيل إلى إقامة شركات إفريقية إسرائيلية مشتركة للتغلغل بها محلياً في حقل التجارة والنقل والخدمات، مثل شركة الملاحة الغانية, والشركة الكنغولية الإسرائيلية, والعاجية الإسرائيلية, والشركات النيجيرية الإسرائيلية. إلخ, وقد تمكّنت إسرائيل بفضلها من تأمين خطوط مواصلات ثابتة لتجارتها مع دول إفريقيا الغربية, ومن الدخول في حقل الزراعة وتربية الدواجن، كما أن إسرائيل اتبعت وسائل أخرى عديدة للتغلب على أي صعوبة أو معوّق لتصريف منتجاتها في الأسواق الإفريقية.

     وأهم الدول الإفريقية التي تتعامل معها إسرائيل تجارياً جمهورية جنوب إفريقيا وإثيوبيا وغانا وليبيريا وتنزانيا وأوغندا وكينيا وساحل العاج والجابون، ونجد أن أسواق إسرائيل تزدهر بصورة أساسية في ست دول, وهي جنوب إفريقيا وإثيوبيا ونيجيريا وغانا وكينيا وأوغندا, وهي تستوعب 75% من مجموع صادرات إسرائيل لمجموع القارة.

النشاط العسكري

يشغل الجانب العسكري أهمية خاصة بالنسبة للنشاط الإسرائيلي في إفريقيا, والحقيقة أن هذا الجانب ارتبط كغيره من جوانب النشاط الإسرائيلي تماماً بالاستراتيجية الإسرائيلية التي استهدفت التغلغل في إفريقيا, والنفاذ إلى الأجهزة والمرافق الحساسة في الأقطار الإفريقية.

     وانطلاقاً من هذه الاستراتيجية بذلت إسرائيل قصارى جهدها من أجل تكثيف نشاطها العسكري عن طريق إيفاد البعثات بأعداد كبيرة، بل إرسال وحدات كاملة إلى بعض الدول مثل زائير (الكنغو الديمقراطية حالياً)، وإنشاء مستوطنات على غرار مستوطنات (الناحال), والإشراف على تنظيم الوحدات العسكرية وشبه العسكرية وتدريبها, ثم استقدام الأفارقة للتدريب والدراسة في المعاهد العسكرية الإسرائيلية.

ولقد سار النشاط الإسرائيلي على الصعيد العسكري في ثلاثة خطوط متكاملة ومتوازنة, وهي:

1 - إرسال المستشارين من أجل تدريب الجيوش الإفريقية وتنظيم بعضها.

2 - تصدير الأسلحة المصنوعة في إسرائيل إلى الدول الإفريقية؛ بدءاً برشاش العوزي، ثم مدافع الهاون, وأسلحة التدريب, ثم طائرات حربية, وزوارق زيئيف وغيرها.

3 - تصدير تجارب الشباب الطلائعي المحارب (الناحال), وكتائب الفتوة (الجدناع), إلى الأقطار الإفريقية, ومحاولة «بيع» هذه التجربة إلى الدول الإفريقية، واستطاعت إسرائيل أن توفّر للأقطار الإفريقية خلال الفترة من 1958م إلى 1972م قرابة (1300) مستشار ومدرب من العسكريين والشرطة وكتائب الشباب الطلائعي المحارب (الناحال) لتثبت الامتداد العسكري لها في إفريقيا.

     قامت إسرائيل أيضاً بتدريب عدد من الأفارقة لتنظيم الخدمة العسكرية في بلادهم، ففي عام 1976م قامت إسرائيل بإرسال عدد من الخبراء إلى تنزانيا لتدريس المبادئ الخاصة بقوات الشرطة، كما قامت بتدريب أعداد من الجنود المظليين من (الكنغو كنشاسا), وعلى رأسهم (موبوتو), كما قدّمت الخبراء العسكريين لتدريب الجيش الكنغولي، وقدّمت بعض الأسلحة الإسرائيلية الصنع للكنغو, وأنشأت مدرسة للمظلات هناك، وفي عام 1965م قامت إسرائيل بتزويد سيراليون بخبراء عسكريين وضباط من الجيش ليقوموا بتدريب جيش سيراليون, وكانت بعثة عسكرية من ضباط إسرائيل قد زارت (سيراليون) لإنشاء مدرسة عسكرية في (فري تاون) عاصمة سيراليون.

     أيضاً تسعى إسرائيل إلى التغلغل في منطقة البحيرات العظمى والقرن الإفريقي؛ حيث تتبع سياسة الالتفاف حول دول حوض النيل ومحاولة زيادة نفوذها فيها بأنشطة عسكرية وأمنية مكثفة لتهديد الأمن القومي العربي للسودان ومصر، وذلك من خلال الحصول على تسهيلات عسكرية، وإقامة قواعد جوية وبحرية في أماكن استراتيجية، واستخدام الدول الإفريقية قاعدة للتجسس على الأقطار العربية.

     كما سعت إسرائيل إلى تشكيل فرق عمل أمنية وعسكرية مع العديد من الدول الإفريقية, وذلك بهدف بناء نفوذ لإسرائيل داخل المؤسسات العسكرية والأمنية والاستخباراتية والسياسية في البلدان الإفريقية, ولا سيما الكنغو الديمقراطية؛ حيث تشير بعض التقارير إلى أن الكنغو الديمقراطية وقّعت عام 2002م نحو (12) اتفاقية للتعاون الشامل مع إسرائيل, منها اتفاقية سرية عسكرية أمنية تقوم بمقتضاها إسرائيل بتدريب الجيش الكنغولي وتسليحه والقوات الخاصة التابعة لها, والمشاركة في عملية إعداد بناء قوات الشرطة والأمن.

أيضاً أبرمت إسرائيل اتفاقيات عدة للتعاون الأمني والعسكري مع رواندا منذ عام 1998م, وأسهمت في إعادة بناء قوات الجيش الرواندي وتسليحه وتدريبه، وبموجب هذه الاتفاقيات استضافت إسرائيل سنوياً العديد من ضباط أفرع الأسلحة في القوات الرواندية للتدريب في إسرائيل.

     ومن الجدير بالذكر؛ أن تقرير المخابرات الفرنسية في عام 1996م أكد أن إسرائيل تتحمل الجانب الأكبر من تدهور الأوضاع في منطقة البحيرات العظمى, وأوضح التقرير أن إسرائيل قامت بتسليح جيشي رواندا وبورندي, واستطاعت أن تضع أقدامها في المنطقة, وقامت بعرض مساعدة لحكومتي البلدين في حماية المنشآت الاستراتيجية في العاصمتين (بوجمبورا) (كيجالي) ضد هجمات قبيلة (الهوت)، ثم تطرق التقرير إلى أن إسرائيل قامت ببيع الأسلحة للمتمردين بأسعار زهيدة بناء على أوامر الموساد؛ لإشعال الأوضاع في المنطقة, وضمان استمرار حاجة حكومات دول المنطقة للمساعدات الإسرائيلية.

     سعت إسرائيل أيضاً إلى دعم حركات التمرد بأنجولا في بداية الثمانينيات لمساعدة (حركة يونيتا) المتمردة بزعامة (جوناس سافيمبي) ضد القوات الشرعية في لواندا، وتم وضع برنامج سري لتسليح المتمردين وتدريبهم وتقديم الاستشارات العسكرية لهم, وقد كان ذلك مثل بوابة لإسرائيل للحصول على مناجم الألماس التي كانت تقع في المناطق التي تسيطر عليها (يونيتا).

وفي جنوب السودان أوفدت إسرائيل عدداً من الخبراء العسكريين, ومعظمهم من يهود (الفلاشا) الأحباش، وذلك للإسهام في تطوير القدرات العسكرية لقوات الحركة الشعبية.

لا يقتصر الدور الإسرائيلي عند هذا الحد بل تقوم شركات الأمن الإسرائيلية بدور كبير في القارة الإفريقية, ويمكن تقسيم نشاطها إلى نوعين:

- الأول: شركات المرتزقة: ومن أبرز هذه الشركات شركة (ليف دان) وشركة (الشبح الفضي)؛ حيث يخشى الرؤساء الأفارقة من جيوشهم الوطنية, ومن ثم يلجأ العديد منهم إلى تكوين ميليشيات قبلية لتأمين أنفسهم؛ حيث تتولى شركات المرتزقة الإسرائيلية تدريب هذه الميليشيات وتسليحها.

- الثاني: الشركات التي تتولى تنفيذ المخططات الإسرائيلية في إفريقيا: ومن أهم هذه الشركات (بول باريل) وشركة (أباك)، وهما شركتان فرنسيتان مملوكتان لعناصر يهودية؛ حيث تتبنى إسرائيل سياسة تستهدف إشعال الصراعات في القارة الإفريقية وتصعيدها، وذلك بهدف إسقاط الأنظمة التي تسعى إلى التقارب مع الدول العربية من جانب, وإحكام السيطرة الاقتصادية والسياسية على هذه الدول من جانب آخر.

     أيضاً يتغلغل الخبراء الإسرائيليون في المجالات العسكرية والأمنية والاستخبارية داخل المؤسسات الوطنية؛ حيث تسعى إسرائيل إلى استغلال الدول الإفريقية للتجسس على مصر والسودان والصومال وجيبوتي وشمال إفريقيا؛ حيث توجد مكاتب للموساد الإسرائيلي في العديد من الدول الإفريقية, في أوغندا وإريتريا وإثيوبيا والكنغو وكينيا ورواندا, وفق اتفاقيات مبرمة بين الجانبين، هذا فضلاً عن الوجود الاستخباري غير المباشر من خلال الخبراء والمستشارين الفنيين، والجدير بالذكر أن إسرائيل قد استكملت مشروعها للتجسس في إفريقيا بوضع القمر (عاموس 1) فوق مدار القمر العربي (عرب سات 2) فوق أجواء كينيا, وهو ما يساعد إسرائيل على التجسس على الاتصالات العربية والإفريقية.

     لا شك أن هذا الوجود الإسرائيلي يمثل خطراً يتهدد القارة الإفريقية، ويعيق تطوّر علاقات دولها بالأمة العربية والإسلامية، وقد استطاع أن يتغلغل في الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية، وهو ما يجعل نفوذه قوياً في التأثير في الدول الإفريقية, وتوجيه سياساتها إلى ما يخدم مصالح إسرائيل، ويحقق أهدافها الإستراتيجية, وذلك أمر يحتاج إلى مراجعات شاملة، وحسابات دقيقة، ويحتاج إلى دراسات عديدة، وأعمال كثيرة، يتوزع عبء الجهود فيها على الكيانات الإفريقية، والكيانات العربية والإسلامية, الرسمية وغير الرسمية منها، قبل أن تتحول إفريقيا إلى مستوطنة يهودية.

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads