رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
16 نوفمبر، 2014
3 تعليق

الوجود الإسرائيلي في إفريقيا دوافعه وأدواته- نظرة تاريخية (1)

علاقة إسرائيل بإفريقيا لم تبدأ بقيام دولة الكيان في عام 1948م، بل مع انعقاد أول مؤتمر صهيوني في أغسطس 1897م في (بازل) بسويسرا؛ حيث برزت في صدارة جدول أعماله خيار أوغندا ليكون وطناً قومياً لليهود بجانب الأرجنتين وفلسطين.

     وقد تأكدت هذه الحقيقة في كتاب صدر في 1968م بعنوان: (الصهيونية في إفريقيا), كشف فيه مؤلّفه أن (تشمبرلين) وزير المستعمرات البريطانية قد شجّع (ثيودور هيرتزل) مؤسس الصهيونية على وضع مخطط لإنشاء وطن قومي لليهود في أوغندا, إلى أن قرّر المؤتمر الصهيوني السادس في بازل 1903م رفض مشروع أوغندا.

     ومع انضمام إفريقيا إلى الأمم المتحدة صارت كتلة صوتية لها وزنها في المحافل الدولية؛ لذلك سعت إسرائيل إلى كسب تأييد الدول الإفريقية, يقول: (أبا إيبان) وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق: «كانت إسرائيل في أمسّ الحاجة إلى إنشاء علاقات مع إفريقيا تضمن منح أصوات التأييد لإسرائيل في المحافل الدولية، ولم يكن يكفي أن تعتمد إسرائيل على الفيتو الأمريكي والبريطاني والفرنسي في مجلس الأمن الذي كان محتاجاً إلى أصوات عشرات الدول الأخرى لكي تحول دون تدهور مركزنا وعزلتنا في الجمعية العمومية للأمم المتحدة».

 

دوافع الاهتمام الإسرائيلي بإفريقيا:

على الرغم من حصول اليهود على فلسطين, وقيام الدولة الإسرائيلية فيها عام 1948م, فإن إفريقيا ظلّت في عقولهم, وذلك للأسباب والدوافع الآتية:

1 - تمثّل إفريقيا البداية التي من خلالها يستطيعون إقامة دولة إسرائيل الكبرى؛ وذلك لوجود منابع النيل فيها الذي يمثّل حلم إسرائيل.

2 - حاجة إسرائيل للاعتراف بها دولة من قبل الدول الإفريقية لكسب الشرعية السياسية والقانونية، وهذا ما قاله وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق (أبا إيبان).

3 - عزل الدول العربية وتطويقها؛ إذ ترى إسرائيل أنها قد طوّقتها بإيران وتركيا من جهة وإفريقيا من جهة أخرى.

4 - الحيلولة دون قيام تكتل (عربي – إفريقي) ضد إسرائيلي, وهذا ما أكده «شكومو أفنيري» مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية عام 1975م قائلاً: «إن الأهداف التي كنا نتوخاها من وراء توطيد العلاقات مع الدول الإفريقية هي كسب صداقة هذه الدول من أجل الخروج من العزلة السياسية, والحيلولة دون قيام معسكر إفريقي معاد يقف إلى جانب العرب في نضالهم السياسي ضد إسرائيل»(2).

     وقد تبوأت القارة الإفريقية مكانة متقدمة في الإستراتيجية الإسرائيلية مقارنة ببقية القارات الأخرى؛ فأمريكا اللاتينية كانت في ذلك الوقت حكراً على النفوذ الأمريكي، وأوروبا كانت القارة التي قوّت الكيان الإسرائيلي عبر المساندة والدعم الذي قدّمه دولها الرئيسة لها, أما القارة الآسيوية؛ فقد كانت أشبه بالقارة المغلقة أمامها، لوجود دول وجماعات إسلامية كبيرة.

وعليه؛ فقد ظهرت إفريقيا بوصفها النموذج المناسب أمام صانع القرار الإسرائيلي؛ حيث مثّل مؤتمر باندونج في 1955م البداية الحقيقية للتحوّل الإسرائيلي نحو إفريقيا, فعملت إسرائيل بعد المؤتمر بمدة قصيرة على وضع استراتيجية شاملة وطويلة المدى للتغلغل في القارة الإفريقية.

     ومن ثمّ؛ فالقارة الإفريقية مثلّت - وما زالت - أهمية بالغة للاستراتيجية الإسرائيلية، ويكفي هنا الإشارة إلى حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق (ديفيد بن غوريون) في الكنيست الإسرائيلي عام 1960م لتتضح لنا تلك الأهمية؛ حيث قال: «الصداقة الإسرائيلية - الإفريقية تستهدف في حدّها الأولي تحييد إفريقيا عن الصراع العربي الإسرائيلي، كما تستهدف في أحسن حالاتها ضمان مساندة إفريقية للمواقف الإسرائيلية».

     وقد أسهمت كلٌّ من بريطانيا وفرنسا بدور كبير في تمهيد الطريق لهذا التغلغل الإسرائيلي في المستعمرات الإفريقية التي كانت تحت سيطرة كلٍّ منهما؛ حيث قامت بريطانية بجعل كل من (تنجانيقا) و(سيراليون) نقاط ارتكاز لإسرائيل في إفريقيا، وسمحت لها بإقامة قنصليات فخرية في هذه المستعمرات قبل استقلالها، وتحوّلت هذه القنصليات إلى سفارات إسرائيلية بعد استقلال هذه المستعمرات، أما فرنسا؛ فقد فتحت لإسرائيل حرية العمل في ميناء جيبوتي وميناء داكار في السنغال لدعم نشاطها، وسمحت لها بإقامة علاقة وثيقة مع مستعمراتها في غرب إفريقيا, كما حدث في ساحل العاج.

ومن جانب آخر؛ فقد عمل الاستعمار الغربي على تقديم دولة الكيان الصهيوني إلى الأفارقة بوصفها دولة تعاني التمييز العنصري، تماماً كالأفارقة الذين يعانون التمييز بسبب لونهم, في حين عمل على إعاقة النشاط العربي وشوّه صورة العرب بوصفهم أحفاداً لتجّار الرقيق في إفريقيا.

وقد عقدت دولة الكيان الإسرائيلي اتفاقيات عدة تمويلية وتجارية مع فرنسا بهدف تأمين حرية التجارة الإسرائيلية مع المستعمرات الفرنسية السابقة في غرب إفريقيا, كما قامت بعقد اتفاقيات مماثلة مع بريطانيا لتطبيقها على الدول الإفريقية التي كانت خاضعة للنفوذ البريطاني.

     في ذلك قامت إسرائيل بالتركيز في دعم العلاقات مع جماعات إفريقية بعينها، وتتضح هذه الخصوصية في التعامل الإسرائيلي مع القارة الإفريقية التي تُعد من الثوابت السياسية الخارجية الإسرائيلية في إفريقيا, والتي تتجاوز التعامل المؤقت مع أنظمة الحكم الإفريقية - بافتراض عدم استقرارها - إلى التعامل المتغير وشبه الدائم مع جماعات بعينها، فتقوم بمساعدتها ومساندتها إذا كانت تشكّل قاعدة للسلطة القائمة دعماً للاستقرار السياسي وتوطيداً لأواصر العلاقات مع إسرائيل, أو تقوم بمساندتها إذا كانت خارج السلطة السياسية لإشاعة حال من الفوضى وعدم الاستقرار السياسي في دولة معادية لإسرائيل، كما حدث في السودان؛ حيث طوّرت علاقات مع بعض الجماعات, مثل (الدينكا) في جنوب السودان, التي يُقدّر عددها بنحو ثلاثة ملايين نسمة, لإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار في السودان لإجهاضه اقتصادياً وسياسياً, وزرع عقدة الكراهية بين العرب والأفارقة بصورة تعيق السودان عن أداء دوره العربي والإسلامي، وحتى الإفريقي بوصفه نموذجاً للتعايش العربي الإفريقي المنشود.

     وفي الوقت نفسه ظلّت إسرائيل على تعاملها الوثيق مع جماعة (الأمهرا) التي كانت حاكمة في إثيوبيا, سواء في ظل (هيلاسلاسي) أم (منجستو), دعماً لسيطرة هذه الجماعة على غيرها من الجماعات - معظم الجماعات الأخرى إسلامية -, وتعزيزاً للوجود الإسرائيلي في منطقة حوض النيل ومدخل البحر الأحمر، وقد استغلت إسرائيل في ذلك البعد الإيديولوجي لتقوية صلاتها بجماعة (الأمهرا)؛ «ذلك لأن هذه الجماعة لديها مزاعم بالانتماء للأسرة السليمانية, وقادتها يسمّون أنفسهم زعماء إسرائيل», ثم إن الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية قد ظلت تقوم بدورها في تعزيز مزاعم (الأمهرا)؛ حيث ركزت في دعمها على أن «شعب الأمهرا» هو شعب الله المختار.  وهذه مجرد نماذج لتعامل إسرائيل مع بعض الجماعات الإفريقية, تفتح المجال أمام تتبع المخطط الإسرائيلي في إفريقيا من حيث أوجه النشاط المتوقعة عنه, إلى جانب الأجهزة المنفذة له.

ويمكن القول بأن المخطط الصهيوني في القارة الإفريقية اعتمد على أربعة مداخل أساسية عند بدء تنفيذه, وهي:

- أولاً: مرحلة المبادرة إلى الاعتراف باستقلال الدول الإفريقية.

- ثانياً: إنشاء علاقات دبلوماسية كاملة مع هذه الدول.

- ثالثاً: التقدّم بعروض لتقديم معونات مالية وفنية ومعها جيش من الخبراء.

- رابعاً: عقد الاتفاقيات الاقتصادية والثقافية مع الأقطار الإفريقية.

ولكي نلقي الضوء الكاشف على تلك الأنشطة بكل أشكالها وأوجهها؛ فمن الضروري أن نقسم هذه الأنشطة على الأوجه الآتية:

أولاً: النشاط السياسي:

     من خلال الحركة الصهيونية في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا والدول الإفريقية الأخرى؛ استطاع زعماء الحركة، لاسيما (ناحوم جولدمان) وسكرتيره يوسف جولان، وزعماء الوكالة اليهودية, إيجاد علاقات مع بعض النقابات الإفريقية التي نشأت وترعرعت في ظل الحكم الفرنسي البريطاني، وذلك من خلال المؤتمرات العمّالية على المستوى الدولي، مثل المؤتمرات التي كانت تعقدها النقابات العمالية, كما استطاعوا أن يقيموا علاقات خاصة مع شخصيات إفريقية وحركات سياسية نشأت في فرنسا وبريطانيا, مثل (ليوبولد سنقور) و(فوليكس بوانيه) وغيرهما.

وقد فرغ الكيان الصهيوني من بلورة مخططه للتغلغل السياسي في إفريقيا عبر محاور عدة, وهي:

- الأول: إقامة علاقات وطيدة مع أحزاب وحركات سياسية في إفريقيا.

- الثاني: المبادرة إلى الاعتراف بالدول الإفريقية حال حصولها على الاستقلال.

- الثالث: إقامة علاقات مع الحكام الأفارقة: وتمكّنوا من إقامة مثل هذه العلاقات مع العديد من الحكّام, ومنهم جومو كنياتا أول رئيس لكينيا، ووليام تويبمان الرئيس الليبيري الذي يُعد أول رئيس دولة إفريقية تعترف بإسرائيل.

- الرابع: التمثيل الدبلوماسي: حرص الإسرائيليون على إنشاء أوسع شبكة من العلاقات الدبلوماسية مع نحو ثلاثين دولة أو أكثر، ولقد استفادت إسرائيل سياسياً من شبكة علاقاتها الدبلوماسية مع هذا العدد من الدول الإفريقية في كسب النفوذ وتحسين مركزها الدولي.

- الخامس: العلاقات مع النقابات العمالية: سعت إسرائيل بهذه الخطوة إلى تعميق نشاطاتها المتعددة الجوانب، وتجسدت في إقامة علاقات مع النقابات العمالية والمنظمات المهنية الإفريقية، واعتمدت في تحقيق مآربها على نقابة العمال الصهاينة العامة (الهستدروت).

- السادس: الجالية اليهودية في إفريقيا: يوجد للكيان الإسرائيلي جاليات مؤثرة في إفريقيا، ولا يخفى أن استخدام إسرائيل ليهود إفريقيا يسهم في دعم النفوذ السياسي الإسرائيلي، والاعتماد المتبادل بين اليهود خارج إسرائيل، وهذه الفكرة ترتبط بتجميع يهود الشتات في إسرائيل.

وتعمل البعثات الدبلوماسية الإسرائيلية في إفريقيا على تنظيم زيارات يهود إفريقيا إلى إسرائيل, واستقطاب المتطوعين من اليهود الذين أنهوا خدمتهم العسكرية، وهذا ينطبق على يهود جنوب إفريقيا, فضلا عن جلب الأموال منهم لمصلحة إسرائيل.

     وسعت إسرائيل إلى تنظيم دورات خاصة ليهود الشتات عن طريق مؤسسات عديدة, منها الوكالة اليهودية, ومنظمة المحاربين القدماء الإسرائيليين, لتكريس ارتباط اليهود بها؛ حيث قالت جولدا مائير رئيسة الوزراء السابقة: «إن على إسرائيل في مواجهتها للدول العربية، داخل حدودها وعلى المسرح الدولي، أن تبذل جهوداً فائقة لاكتشاف مسالك جديدة لتمكنها من اختراق الحصار المفروض عليها», ومن الطبيعي أن تكون المهام الأساسية للبعثات الإسرائيلية في إفريقيا العمل على تنمية الروابط بين إسرائيل واليهود هناك، وللحديث بقية إن شاء الله.

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads