رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
24 يونيو، 2014
3 تعليق

(حركةالعصـر الجديـد) طرائق نشر الفكر وأبرز برامجه التطبيقي

إن بذرة حركة (النيو-إيج) تكونت في الغرب النصراني، وهناك أيضاً وضعت اللبنات الأولى لطرائق نشر فكرها؛ فأنتج معهد (إيسالن) - محضن الحركة- عشرات البرامج التي تقوم في أصلها على عقائد الغنوص (الروحانيات) وتحوي من العقائد والمبادئ المتنوعة والمتناقضة أحيانًا، وتم تصميمها بعناية وربطها بمجالات الحياة المختلفة كالصحة والرياضة والتطوير والعلاج وهندسة الديكور وتصميم المنازل وغيرها؛ لتوافق احتياجات أكثر الناس ومن ثم انتشرت على نطاق واسع بينهم.

كما تم تسويقها بطريقة برامج متعددة المستويات تضمن زرع الفكر والمبادئ في نفوس المتدربين وعقولهم بتدرج لا يواجه أي معتقدات دينية لديهم وإنما يداهنها ويوافقها ثم يزاحمها ويقصيها.

     وقد تكّون لنشر الحركة وترويج فكرها وممارساتها العديد من المؤسسات الخاصة وانتشرت حملة فكر (النيو-إييج) في أنحاء أمريكا لنشر فكرهم وخرجت الفكرة إلى بريطانيا وأوربا ومن أشهر المؤسسات الأوربية في هذا المجال مؤسسة (فايند هورن) ببريطانيا، ومع الانفتاح الثقافي الكبير وفي ظل مد العولمة وصلت برامج الحركة بما تحمله من فكر إلى البلاد الإسلامية خلال الخمس عشرة سنة الماضية، وانتشر تبعا لذلك كثير من فكر الحركة ومعتقداتها تحت ستار التطبيب البديل والتدريب المعتمد بنظام المستويات المتعددة.

     ولا يزال معهد (إيسالن) يطور أبحاثه، ويغيّر إطار أفكاره بحسب نتائج مايرى في واقع الناس وقبولهم، ولذلك ففي قاعاته اليوم وبرئاسة أحد مؤسسيه (مايكل ميرفي) Michael Murphy تعاد دراسة الفكر (الغنوصي) الملحد وإعادة تشكيله ودمجه مع عقائد الحلول والاتحاد بدلا من الإلحاد المحض لتناسب اعتقاد أكثر الناس اليوم بوجود إله، ورغبتهم في الطلب منه، والاتصال به.كما أن المعهد يشترك اليوم في نشاط تتبناه جامعات ومراكز أبحاث ومؤسسات فكرية في الغرب للبحث في المؤثرات الغيبية في ممارسات الأديان الشرقية وطقوسها والفرق الصوفية ووثنيات القبائل الهمجية في استراليا وهواي وسيبيريا وغيرها ويُخشى أن تخرج نتائج هذه الدراسات وتنشر على أنها علم وتجارب ودراسات محايدة فتلبّس الحق بالباطل، وهي ليست علماً وإنما فلسفة تهمّش الوحي الذي هو المصدر الوحيد الصحيح عن عالم الغيب،لا يمكن معرفة حقائق المؤثرات الغيبية إلا من خلاله.

     ومن الملاحظ أن حركة العصر الجديد تميزت عن غيرها من الحركات الباطنية الحديثة بمحاولة إضفاء الصبغة العلمية على كل الممارسات الباطنية التي تتبناها، ومن ذلك إضفائها صفة العلم على الكهانة والتنجيم والسحر، بل وصياغة مبادئ هذه الأمور وتعليمها للناس على أنها مهارات تكتسب عبر دورات تدريبية للتنمية البشرية، ورغم حرص الحركة الشديد على كسب احترام الأوساط العلمية إلا أنها رُفضت عند العلماء والجامعات ولم يقبلها إلا عدد قليل ممن تبنى فكرها ومعتقدها لعدم موافقة دراساتها وأبحاثها للمنهج العلمي الصحيح، إلا أن الاتجاه العام في العالم الغربي اليوم لقبول الروحانيات والاعتراف بتأثيرها ووجودها يوسع بطريقة كبيرة دائرة المؤمنين بها أو الممارسين لبرامجها دون فهم لحقيقة ما يحدث ومتعلقات ما يمارسون.

     وهكذا فإن حركة (العصر الجديد) لم تأت في الحقيقة بجديد يذكر، فبرامجها إنما هي إحياء وبعث وتجديد لمجموعة مبادئ وتقاليد وطقوس شرقية ووثنية، ولكن الحركة قدمتها للعالم الغربي في صورة تدريبات للحصول على قدرات بشرية خارقة وروحانيات، كما أن الحركة لم تبرز بوصفها ديناً جديداً، وإنما مثلت امتدادًا للتيار الباطني فتغلغلت في المجتمعات وتبنّى برامجها وفكرها مجموعات من أتباع جميع الديانات لكونها عرضت بطريقة منهج جديد يقبل الاعتقادات المختلفة، ويوفِّق بينها؛ بحيث تظهر برامج الحركة كأنها تتناسب مع المعتقد الديني على تنوعه، بل وتربطه بالمعتقدات والفلسفات الأخرى فيظهر حلقة من سلسلة كاملة! وتدعمه بمزيد من الروحانيات!

     ومن هنا يمكن القول بأن انتشار معتقدات حركة (العصر الجديد) في الغرب كان وراءه غنى الحركة بروحانيات الشرق، وموافقة ذلك للجفاف الروحي عند أصحاب الأديان المحرفة في الغرب، دون إلزامهم بأية لوازم دينية محددة أو مناقشة أي عقائد يعتقدونها. كما أن وسائل الاتصالات الحديثة أسهمت في سرعة انتشار هذه الأفكار فتجاوزت حدود أمريكا إلى أوربا ثم دخلت إلى بلاد الإسلام على يد من انخدعوا بظاهرها التدريبي في خضم الاهتمام المتزايد بالتنمية البشرية؛ حيث قُدمت برامج الحركة تحت اسم الدورات التدريبية، مختلطة بدورات تنمية المهارات، أو تحت اسم العلاجات والاستشفاءات البديلة، كما أُلفت عشرات الكتب، وأُعدت الصوتيات لنشر فكر الحركة بطرائق شتى. وتحمل جميع هذه البرامج والكتب أسماء مجملة وألفاظاً ملتبسة غامضة توحي بالاتصال بالعلم وفروعه، وتشتبه بأمور معروفة عند الناس مثل: البرمجة اللغوية العصبية، والتنفس العميق والتنفس التحوّلي، والتأمّل الارتقائي والاسترخاء، والطاقة والتفكير الايجابي، وهندسة النفس، والحرية النفسية، والعلاج بخط الزمن، وقانون الجذب، وقد روجت الحركة خلال برامجها وأدبياتها لفرضيات قديمة زاعمة أنها حقائق علمية ثابتة مثل (العقل الباطن) و(وعي الجمادات والنبات).

وفيما يلي تعريف موجز بأشهر عناوين برامج الحركة:

     الطاقة: الطاقة المقصودة في هذه البرامج هي ما يسمى في الفلسفة الشرقية (كي ki وتشي chi-Qi والطاوTao والماكرو Macro والبرانا Prana ومانا Mana) وفي الفلسفة الغربية الروحية وبرامج العصر الجديد تسمى إضافة لأسمائها الشرقية بأسماء علمية نحو (قوة الحياة) أو (الطاقة الكونية). وحقيقة هذه الطاقة فلسفة لا علاقة لها بالطاقة الفيزيائية، فهي اعتقاد بقوة عظمى خلف كل شيء يقابل الاعتقاد بالإله عند أصحاب الديانات السماوية. وهي أول ما ينبغي أن يؤمن المتدرب به، وبأهميته وقوته، ويمارس كيفية الشعور به، واستمداده، وفعل ما يساعد على تدفقه في جسده، واتحاده به، ويتجنب ما يباعد بينه وبينه.

     وفلسفة الطاقة الكونية مستمدة من أصل الفكر الفلسفي الغنوصي الذي يفسر الوجود والكون والحياة والإنسان بعيدا عن هدى الوحي. وتمثّل الطاقة الكونية– عند معتقديها- القوة المطلقة في الكون، ويعدون كيفية استمدادها والتناغم معها هو السر الذي كان الباطنيون الأوائل يحتفظون به لأنفسهم، ولكن حركة العصر الجديد جعلته في متناول جميع الناس دون تمايز ديني وبطرائق متنوعة. وتشتمل جميع البرامج المقدمة باسم الطاقة على نسب متفاوتة أصلاً من الفلسفة الباطنية، وفيها تشرح أهم العقائد الشرقية على أنها حقائق كونية عن أصل الكون ونشأته وانقسامه لثنائيات عظيمة يسمونها (ين/يانغ) مؤثرة في كل جوانب الحياة، جاء في كتاب الوجوه الأربعة للطاقة: «في بداية الأمر لم يكن هناك سوى الذي هو، فأراد أن يُعرف؛ لأن الشيء إذا لم يعرف فكأنه غير موجود، فأفاض الكون فأصبح الكون هو وهنا وهناك.....»!

     كما يُشرح في هذه الدورات أصل الإنسان والمؤثرات الماورائية فيه من منطلق مادي وفلسفي مستمد من الفلسفة الشرقية بعبارات علمية وأجواء تدريبية لضمان الإيمان بها وممارستها، ومن ذلك فلسفة (الأجساد السبعة) وخصائص (الجسم الأثيري) التي مفادها الاعتقاد بوجود أجسام سبعة لكل الكائنات، ومنها الإنسان أولها: الجسم البدني، وأهمها: الأثيري ويقع على هذا الجسد جهاز متكامل يمكن، تنفذ من خلاله الطاقة الكونية للجسم البدني وسائر الأجساد، وتمنحه السعادة والصحة، وتقوي لديه الحاسة السادسة التي تمنحه قدرات خارقة في التأثير والعلم ونحو ذلك.

     ويُدرب المتدربون في برامج الطاقة التدريبية على كيفية ممارسة الطقوس التي تمكنهم من فتح منافذ الطاقة في أجسادهم (الشاكرات) Chakras والحصول على كميات أكبر من طاقة قوة الحياة، أو الاتحاد بها، ومن ذلك التدرب على تمارين خاصة وترانيم ووضعيات خاصة هي في الحقيقة طقوس وعبادات ورياضات روحية يستخدمها كثير من الباطنيين على اختلاف دياناتهم لاكتساب قوة فوق عادية في التأثير والشفاء، حتى إنها سبب لتحصيل قوة إبراء وشفاء للنفس والآخرين بمجرد اللمس!

     وملاحظ أن تقديم هذه الفلسفة باسم (الطاقة) الذي يشتبه بالمصطلح العلمي المعروف في العلوم الطبيعية جعل المتدربين يعتقدون أنها علم، وينفون كونها دينا أو معتقداً، ويحاولون فهمها بالتقريب بينها وبين ما هو معروف في العلم الفيزيائي ومصطلحاته وفروعه. كما أن تقديمها بأسمائها الأصلية في اللغات الشرقية كـ(الريكي) و(التشي كونغ) و(السياتشو) و(الفونغ شوي) و(الشياتسو) و(التاي شي) و(اليوغا) وغيرها جذب كثيراً ممن يرون للشرق تقدماً في الصحة وتفوقاً في أنواع الطب البديل. وهكذا راجت فلسفة الغنوص تحت هذه الأسماء في أنحاء العالم ومنه العالم الإسلامي لطلب الشفاء والتخلص من الأمراض، أو وصفات وقائية للحياة السعيدة ودوام الصحة وتحقيق السلام والإيجابية، ووجدت لها رواداً ومشجعين من المسلمين لا يعرفون حقيقة فلسفتها بينما هم منغمسون فيها!

 

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads