رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
23 يوليو، 2013
3 تعليق

الاستفادة من الأطفال في الدعوة إلى الله تعالى

 

قَدِمَتْ الطفلة ذات الأربع سنوات إلى منزل جدها في إحدى الدول العربية، في إجازة مع والديها بعد سنة عمل في المملكة العربية السعودية، كان الجميع مهتماً بها، الكل يلاعبها، ويحرص على سعادتها، وتقديم كل ما ترغب فيه، وعلى الاستمتاع بوجودها بينهم.

في البداية، وجدت الطفلة الصغيرة صعوبة في التأقلم السريع مع أهل والدها ووالدتها، ولكن ما هي إلا أيام معدودة، حتى عادت إلى طبيعتها من مرح وحركة وترديد ما تعلمته خلال المدة الماضية، وعندما بدأ بعض أقاربها بتحيتها الصباحية “صباح الخير” أو المسائية “مساء الخير” كانت تصمت ولا ترد عليهم بالتحية، بل كانت تقول لهم: “السلام عليكم ورحمة الله».

وعندما تدخل إلى المنزل بعد زيارة خارجيه، بدأت تردد في كل مرة دعاء الدخول إلى المنزل: «بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا».

     لاحظ الجميع ما تردده هذه الطفلة الصغيرة (التي ألحقها والداها بدار تحفيظ قرآن في السعودية) من أذكار وأدعية في كل مناسبة تمر بها خلال يومها العادي، وقارن أقاربها بين ما تعودوا أن يرددوه من جمل دخيلة على الدين الإسلامي وبين ما تردده هذه الصغيرة من أذكار أوصى بها نبي الأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فما كان منهم إلا أن بدؤوا يتعلموا منها ترديد هذه الأذكار في كل مناسبة، هذه قصة حقيقية، وقعت بالفعل، وهي تعبير واقعي وصادق عن إمكانية تحويل الطفل إلى داعية لله _عز وجل_ حتى وإن كان هو لا يعلم بهذا الشيء.

أهمية الاستفادة من الطفل في الدعوة:

     لا تنحصر أهمية أن يكون الطفل داعياً إلى الله في استفادة المجتمع منه، بل يحصل الطفل قبل غيره على الاستفادة من هذه التربية، لذلك فإن أهمية الاستفادة من الطفل في الدعوة إلى الله، تنقسم قسمين:

(1) تربية الطفل تربية إسلامية صحيحة.

      فعندما نربي أطفالنا على قيم الدين الإسلامي الحنيف، نكون قد شكلنا اللبنة الأساسية الصالحة –بإذن الله- التي ستؤثر على حياته القادمة كاملة، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «علموا أولادكم الصلاة وهم أبناء سبع» الحديث؛ وما ذلك إلا لأن تعلميهم الصلاة وهم أطفال، سيسهل عليهم المواظبة عليها عند الكبر.
     وقيل: «العلم في الصغر كالنقش في الحجر»، وهو أساس ما يمكن أن يربى عليه الأطفال، فإن تعلم الطفل في صغره أمور دينه من صلاة، وصدقة، وصدق، وحب الخير، وبغض الحرام، وقراءة القرآن، والذكر، نما وكبر على ذلك، وسهل عليه فيما بعد المواظبة على معظم تعاليم الدين الإسلامي، ولكن إن تعلم في صغره الغش والكذب، وترديد الأغاني والألحان، ومشاهدة الحرام في المنزل أو في التلفاز، نما وكبر على ذلك، وبات من الصعب جداً تغيير أصل ما حدث في نفسه، وما رسخ في ذاكرته ووجدانه.
(2) إبلاغ الدعوة إلى الآخرين.

     الفائدة الثانية التي يحققها الاستفادة من الطفل في الدعوة، هو إيصال الرسائل الدعوية إلى الأطفال من جيله، وإلى المجتمع الذي يكبره، بسهولة ويسر، يصبح تأثيرها -في بعض الأحيان- أكبر من تأثير الكتب والأشرطة والوسائل الدعوية الأخرى؛ إذ يمتلك الطفل العديد من الخصائص والمميزات التي تساعده على أن يكون داعياً فاعلاً في المجتمع المحيط فيه، وهو ما يحقق للمجتمع فائدة عظيمة.

ميزات الطفل في الدعوة إلى الله:

     يرتكز أساس مشروع الاستفادة من الطفل في الدعوة إلى الله على المميزات التي يمتلكها الطفل دون غيره، وتمكنه من إيصال الرسالة الدعوية بكل سهولة ويسر إلى المجتمع، من هذه المميزات:
-  الطلاقة في الحديث وحسن التعبير.

-  قوة الشخصية وحب القيادة.

- في الأطفال حماسة لفعل ما يُشعرهم أنهم مثل الكبار.

- جرأتهم في إنكار ما عُلّموا أنه منكر دون محاباة أو حرج.

- ميلهم لتقليد الآباء والمربين، فإن صادفوا أسوة حسنة اصطبغوا بصبغتها منذ صغرهم.

- ميلهم للتنافس مع من هم في مثل سنهم، ويمكن أن يدفعهم ذلك لحفظ القرآن، والحرص على السمت الإسلامي، وتوجيه الآخرين، وما إلى ذلك.
- قدرتهم العالية على اختزان المشاهد، وشدة تأثرهم لأوقات طويلة بما يرون، يمكن الاستفادة من ذلك في تعريفهم بما يجري لإخواننا المسلمين، وتبغيض الكفار لهم، وتعريفهم بحقيقة عدوهم، وشغلهم بقضايا الأمة، وتعويدهم الدعاء للمسلمين ونحو ذلك.

- سعة خيالهم وميلهم لاكتساب المهارات، ويمكن توظيف ذلك بحسب كل طفل.
- عمق إحساسهم بالامتنان لمن يحسن إليهم: يمكن أن نغرس في نفوسهم حب الله، ورسوله، وصحابته، وأهل العلم.

كيف يمكننا الاستفادة من الطفل في الدعوة إلى الله؟

     رغم بساطة الطفل، وإمكانية تعلمه بسرعة ويسر، وإمكانية تطويعه للخير، إلا أن التعامل مع الطفل يجب أن ينحصر ضمن نطاق معين من الأساليب والتوجهات الناجحة، فلكل بيت باب يطرقه، ولكل مسألة مدخل لها، والاستفادة من الطفل في الدعوة إلى الله يجب أن تبنى على قواعد وأسس متينة منذ البداية، وتبقى بعيدة -قدر المستطاع- عن السلبيات التي يمكن أن تواجه هذا السبيل، في البداية لابد من تأسيس الطفل وتربيته تربية إسلامية راسخة؛ كي نستفيد منه مستقبلاً في الدعوة إلى الله، وهناك مجالات يستطيع الطفل أن يمارسها في الدعوة إلى الله، مثل: دعوة زملائه وأصدقائه إلى فعل الفضائل، وترك الرذائل، فإذا رأى هذا الطفل زميلاً له قد كذب مثلاً، فإنه ينصحه ويقول له: إن الكذب حرام، وهكذا..».
ومن النقاط المهمة في هذا المجال ما يلي:
 - تربية الطفل على الأخلاق الحسنة، وحب تقديم الخير للآخرين.

- تدريب الطفل على حسن التعبير عن أفكاره.

 - تنمية مهارة الإلقاء ومواجهة الجمهور.
- تعويد الطفل على المبادرة واتخاذ القرار، وتقوية شخصيته.

     ويرى التربويون أن في كتاب الله -عز وجل- خير معين للطفل على اكتساب معظم المهارات في الدعوة إلى الله، فالحرص على تحفيظ الطفل كتاب الله، يعد من أجَلّ الأعمال التي يمكن عملها بتوفيق الله عز وجل؛ للاستفادة حالياً ومستقبلاً في مجال الدعوة، فكتاب الله فيه كل الوسائل الممكنة في الدعوة إلى الله، فيتعلم الطفل أحكام الصلاة وتنفيذها على الوجه الصحيح، وذهابه وإيابه للمسجد جماعة مع المسلمين يجعله قدوة حسنة ويجعله متمكناً من الدعوة إلى الله بحثِّ زملائه على الصلاة في المسجد».
سلبيات يجب ألا نقع فيها:

 السلبيات التي يجب ألا نقع فيها في مجال الاستفادة من الطفل في الدعوة:

- تعريض الطفل لاستجداء الناس، وإراقة ماء الوجه، وذلك من خلال جمع التبرعات، أو ترك الأموال وإهمالها معه، مما يغريه بالاختلاس.
-  القذف بالطفل في المواقف الدعوية الصعبة، مثل: إنكار بعض أنواع المعاصي لدى من هو أكبر منه، مما قد يعرضه للتراجع عن الدعوة في الكبر.
وهذا الحرص على تلافي السلبيات يؤكد على أهمية كرامة الطفل ومشاعره، وعدم تعريضه لمواقف قد تؤدي به إلى إركاسات سلبية في شخصيته، قد ترافقه مدة طويلة من حياته.

الأساليب التي تساعد في تطوير عمل الطفل الداعية، وهي:

 - تكوين مؤسسات أو لجان لتربية الأطفال تربيةً إسلامية متكاملة.

 - نشر مجموعة من الأفكار الدعوية التي يمكن للأطفال الإسهام فيها.
- بث هذه الفكرة لدى المعنيين بتربية الطفل.

-  استشارة الطفل وأخذ رأيه في بعض الأمور المتعلقة بالدين والدعوة، ومعرفة كيفية رده وتصرفه، وموقفه حيال ذلك.

-  تعويد الأطفال على القيام بعدد من المسؤوليات.

- تعويد الطفل على المشاركة الاجتماعية كالتعاون مع جمعيات البر، ومساعدة الفقراء والمحتاجين، وإغاثة اللهفان، وكذلك تعويده على إلقاء الكلمات بعد الصلاة في المدرسة.

-  تعويد الطفل على اتخاذ قراره دينياً، واجتماعياً، ونفسياً، وفي كل مواقف حياته قدر المستطاع.

-  العمل على إيجاد محاضن تربوية لتنمية قدرات الطفل الداعية.
 -  التشجيع والمكافأة للأطفال، ما ينمي لديهم روح التطوير والعمل الدؤوب.

 - ولابد له من أن يأخذ حقه من الطفولة كاللعب، والمرح، والنوم، والأكل، وإن لم يأخذها في صغره فيخشى أن يأخذها إذا كبر بطريقة خطأ.

     بقي علينا فقط أن نخلص النية لله عز وجل، ونعمل ما بوسعنا لكسب تلك القدرة الصادقة البريئة المفعمة بالحيوية والنشاط؛ لإدخالها إلى العمل الإسلامي الدعوي، أملاً بالأجر والمثوبة من الله تعالى، وعملاً بسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ونشراً للعمل الصالح بين الناس، علّ الله أن يجعل من الجيل الجديد جيلاً صالحاً، يستطيع أن يحقق للأمة الإسلامية ما عجزت عنه أجيال كثيرة حتى الآن.

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads