رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
28 مايو، 2013
3 تعليق

الدعوة إلى الله(1)


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد، فإن الدعوة قضية لها بداية ولها غاية، وبينهما مراحل ينبغي أن تقطع بأناة وروية، حتى يتحقق الهدف المنشود، من عمارة الأرض بدين الله الرب المعبود.

 

إنها الدعوة إلى التوحيد، في شمول وتكامل، ثم الثبات في مواقع الحراسة لدين الله عز وجل ، ثم التأني في جميع مراحل الدعوة وإن طال الدرب، حتى تزول غربة الإسلام، وتكبر القاعدة، ويتسع نطاق العاملين للإسلام على الوجه الصحيح، ليصبحوا جبهة قوية في وجه الذين لا يؤمنون، ثم الجهاد والقتال، وحينئذٍ يميلون على الذين كفروا ميلة واحدة بإذن الله تعالى.

حقائق على طريق الدعوة

     ولا ريب أنَّ ثمة أموراً كثيرة، تخص قضية الدعوة، يحدث حولها جدل واسع، وتخضع لمؤثرات مختلفة، مما دعا بعضهم إلى التخبط، وضبابية الرؤية إزاء حقائق تمثل الأرض الصلبة التي ننطلق منها ، والأصول التي ينبغي أن تتحد الرايات حولها. فمن ذلك :

أولًا : الأمة كلها يقع عليها عبء الدعوة إلى الله.

فلا ينبغي أن يتخلف أحد من المسلمين عن هذا الميدان ، ولا ينبغي أن يزدري المرء نفسه، ويظن أنه أقل من أن  يدعو  ويعمل .
قال الله تعالي: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ } (يوسف: 108).

فهذه  هي  السبيل ،  ولكن كم هم  الفارون ؟! .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (20/5):

      والدعوة إلى الله واجبة على من اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهم أمته، وقد وصفهم الله بذلك: كقوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}(الأعراف: 157)، فهذه في حقه صلى الله عليه وسلم وفي حقهم قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل عمران: 110)، وقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } (التوبة: 71). وهذا الواجب واجب على مجموع الأمة، وهو فرض كفاية، يسقط عن البعض بالبعض كقوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} (آل عمران: 104)، فجميع الأمة تقوم مقامه في الدعوة: فبهذا إجماعهم حجة، وإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله أهـ 

     إن من واجباتنا أن نؤصل في أذهان جميع المسلمين هذا الأصل الأصيل، ألا وهو حتمية الدعوة ، فيتعاهد الجميع أمام الله تعالى بألا يمر يوم إلا وقد تقرب إلى الله بدعوة رجل واحد على أقل تقدير .

     إن من المفارقات العجيبة أنَّ أحد الإخوة أعدَّ متوالية حسابية على اعتبار أنَّ فردًا واحدًا سيدعو صديقًا له، ثم انطلق الرجلان في الدعوة بعد ذلك ليصيروا أربعة في السنة التالية وهكذا دواليك.
هل تصدقون أن خلال ثلاثين سنة بهذه المعادلة الحسابية تكون الدعوة وصلت إلى ألف مليون مسلم؟

ثانيًا: كل يدعو إلى الله على حسب الطاقة والقدرة

     من الأمور التي تختلط في أذهان الكثيرين أنه قد يتصور أنَّ الدعوة إلى الله هي أن يعتلي المنابر، ويلقي الدروس والمحاضرات، أو أن يتصور أنَّ وضعه الاجتماعي لا يؤهله للقيام بهذا الواجب.
والأمر أيسر مما يتوهمه هؤلاء.

ومن الشبهات التي عمت بها البلوى قول بعضهم: إنك كمن يحرث في ماء ، ولسان حالهم كمن قصَّ علينا القرآن خبرهم

     {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَﭟ} (الأعراف: 164)، يقولون: إنك لن تغير الكون بكلامك، لن تستطيع أن تصنع شيئًا، أين صدى هذه الدعوة في الناس والفساد يعم أنحاء المعمورة من كل جهة.
فلهؤلاء وأمثالهم من معاشر المثبطين القاعدين الذين يصدق فيهم قوله تعالى {فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا} (التوبة: 46)، نقول لهم:
1) إنَّه قد مضت القاعدة الشرعية الشهيرة بأنَّ الله لا يكلف بالمحال، ولا يكلف بما لا يطاق، فمعنى أن الله أوجب علينا الدعوة إلى سبيله أنَّ ذلك فيما يطيقه، ويستطيعه، كل أحد.
2) إننا نمتثل قول تلك الفرقة الناجية قالوا: {معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون}(الأعراف)، فإننا نعتذر إلى الله أن يُعصى فلا يُطاع وأن يُكفر فلا يُشكر ، وهذا وحده يكفي للغيرة لله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
3)  إنَّ  النبي 
صلى الله عليه وسلم  لم يعفِ أحدًا من إنكار المنكر، ففرض المستطيع باليد أن ينكر بها، وكذا المستطيع بلسانه، أما الضعفاء الذين لا حيلة لهم ففرضهم الإنكار بالقلب، فإن لم يكن، كان هذا دليلًا على فساد القلب، وضعف الإيمان .

     في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ نَبِيَ بَعَثَهُ الله فِي أُمّةٍ قَبْلِي، إِلاّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمّتِهِ حَوَارِيّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ. ثُمّ إِنّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمِ خُلُوفٌ، يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ. فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبّةُ خَرْدَلٍ». 

     إن التوفيق استأثر الله به نفسه جل وعلا ، وما حالنا إلا كما قال شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} (هود: 88).

أصل الداء

     أصل الداء عادةً ينبع من عدم وضوح الهدف، أو اعتبار الغايات مبررات لكثير من الوسائل مطلقًا دون ضابط، أو تعجل الحصاد، والتاريخ شاهد على فشل هذه الفرق.
ولذلك يدب الوهن في قلوب المسلمين، ويصابون بإحباطات وهزائم نفسية، تجعلهم فريسة سائغة لأعداء الإسلام .
  
  وهذا حديث ذو شجون ، ولذلك تعالوا نعيد ترتيب منظومتنا الدعوية، تعالوا نقلب في دفاترنا، ونقارن واقعنا الدعوي بالشروط التي لا محيص عنها، إذا رمنا نجاحًا.

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads