رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
28 مايو، 2012
3 تعليق

الصفا والمروة.. في كتابات الرحالة والمؤرخين

 

قال ياقوت الحمودي في «معجم البلدان»: الصفا والمروة جبلان بين بطحاء مكة والمسجد، أما الصفا فمكان مرتفع من جبل أبي قبيس بينه وبين المسجد الحرام عرض الوادي الذي هو طريق وسوق، ومن وقف على الصفا كان بحذاء الحجر الأسود والمشعر الحرام بين الصفا والمروة.. والمروة جبل بمكة يعطف على الصفا، وهي في جانب مكة الذي يلي قعيقعان، وقد ثناه جرير في قوله:

فلا يقربن المروتين ولا الصفا

                                  ولا مسجد الله الحرام المطهرا

       كتب «ابن جبير» الرحالة الأشهر: من باب الصفا إلى الصفا ست وسبعون خطوة، وللصفا أربعة عشر درجا، وهو على ثلاثة أقواس مشرفة، والدرجة العليا متسعة كأنها مصطبة، وقد أحدقت به الديار وفي سعته سبع عشرة خطوة، وبين الصفا والميل الأخضر «سارية خضراء»، وهي التي إلى ركن الصومعة التي على الركن الشرقي من الحرم على قارعة المسيل إلى المروة، وعن يسار الساعي إليها ومنها يرمل في السعي إلى الميلين الأخضرين.. وعلى كل واحدة منهما لوح قد وضع على رأس السارية كالتاج، ألفيت فيه منقوشا برسم مذهب: {إن الصفا والمروة من شعائر الله..} الآية.. وبين الصفا والميل الأول ثلاث وتسعون خطوة، ومن الميل إلى الميلين خمس وسبعون خطوة، وهي مسافة الرمل مجيئا وذهابا.. ومن الميلين إلى المروة ثلاثمائة وخمس وعشرون خطوة، فجميع خطى الساعي من الصفا إلى المروة أربعمائة وثلاث وتسعون خطوة، وأدراج المروة خمسة وهي بقوس واحد كبير، وسعتها سعة الصفا سبع عشرة خطوة، وما بين الصفا والمروة مسيل هو اليوم: سوق حفيلة بجميع الفواكه وغيرها من الحبوب، والساعون لا يكادون يخلصون من كثرة الزحام وحوانيت الباعة يمينا وشمالا، وما للبلدة سوق منتظمة سواها إلا البزازين والعطارين.

       وقال محمد لبيب البتنوني في الرحلة الحجازية عندما صحب الخديوي «عباس حلمي الثاني» عام 1909م: المسعى هو ما بين الصفا والمروة وطوله نحو أربعمائة وعشرين مترا، وهو شارع عمومي محاط بالبيوت والمخازن والدكاكين مما يجعله مزدحما بالناس زمن الموسم، ولاسيما عند دخول القوافل بالحجيج إلى مكة، وهنالك يكثر الساعون ويصادفون في سعيهم مشقات كثيرة، وعلى طرفي المسعى وخصوصا من جهة المروة دكاكين للحلاقة، يحلق أو يقصر فيها من أراد أن يتحلل من إحرامه.

الأمير الغامض

       في عام 1221هـ/ 1807م جاء مغامر يحدوه طموح الشباب والماضي السعيد لبلاده، ليحاول القيام بدور ما، في ظل تشابك المصالح والأطماع بين قوى تلك الحقبة.. كان صاحب هذا المشروع الرحالة الإسباني المغامر دومينجو باديا أو الأمير الغامض «علي بك العباسي»، وعلى الرغم من فشل مسعاه الذي خطط له في المغرب، حيث تكشفت مخططاته، إلا أنه نجح في الدخول إلى مكة المكرمة ووصف معالمها ومناسك الحج فيها.

       وبعد أن وصف الكعبة والحرم المكي ومقام إبراهيم وبئر زمزم، كتب عن مناسك السعي بين الصفاوالمروة، فقال: «نخرج بعد ذلك من خلال باب الصفا، حيث نصعد في زقاق يؤدي مباشرة إلى ما يسمى جبل الصفا، وفي طرف الشارع الذي ينتهي بما يشبه الساحة، مبنى مكون من ثلاثة أقواس على أعمدة، ومنها يكون الصعود بالدرج إلى المكان المقدس المسمى: الصفا، وعند صعود الحاج يحول وجهه نحو الكعبة ويدعو دعاء قصيرا واقفا على قدميه، عند ذلك يأخذ الشارع الرئيسي باتجاه جبل المروة، قاطعا المسافة وهو في حالة دعاء مستمر حتى نهاية الشارع المقطوع بحائط ضخم، يصعد بعض الدرج موليا وجهه نحو الكعبة، لو أن منظر البيوت المعترضة تحجب الرؤية، وفي كل الأحوال يستمر الدعاء، وبعد السعي الثاني نحو الصفا يتبعه ثالث باتجاه المروة، وهكذا وبشكل مستمر حتى المرة السابعة رواحا ومجيئا بين التلّتين.

       وأضاف دومينجو: التلتان المقدستان، الصفا والمروة، من الممكن أن تعدا مستقلتين عن الحرم، وذلك لوجوب زيارتهما من قبل كل حاج بعد الطواف سبع مرات حول بيت الله، وهذان الموقعان كانا خارج العمران زمن النبي [، وبسبب التوسع المتوالي أصبحا يغصان بالبيوت.. يبعد الصفا قليلا عن الحرم في الجهة الجنوبية الشرقية، مقابل الباب الذي يحمل الاسم نفسه، وأسفل جبل أبي قبيس وهو المكان الذي سقط فيه الحجر الأسود من السماء.. أما المروة، فتقع في مكان منعزل نوعا ما عن الحرم من الناحية الشمالية -الشرقية، وفي طرف شارع يؤدي إلى تلك المروة توجد مصطبة ذات مسطح رباعي بأبعاد خمسة وعشرين إلى ثلاثين قدما، مغلفة بجدار ضخم بجوانبها الثلاثة، وهو نفس المكان المقدس الذي يقف عليه الحاج ليتلو دعاء المروة صاعدا بعض الدرج.

       وفي ذلك الشارع،  توجد محلات الحلاقة التي يذهب إليها الحجاج لقص شعورهم، عقب الانتهاء من السعي سبع مرات بين التلتين المقدستين.. والشارع الرئيسي في مكة هو بالتحديد الذي يصل الصفا والمروة، وفي الوقت ذاته، هو السوق العام، والناس تمر فيه بلا توقف أو مراعاة، الأمر الذي يزعج الحجيج كثيرا في سعيهم بين التلتين المقدستين ويقطع عليهم خشوعهم.

بوركهارت حاجّاً

       الرحلة التي قام بها الرحالة السويسري الشهير: جون ليوس بوركهارت أو الشيخ إبراهيم تعد من أهم المصادر التاريخية حول الحياة في جزيرة العرب وعادات سكانها والأحوال السياسية والاجتماعية والدينية التي كانت تتفاعل في تلك المرحلة التاريخية، ومعرفته باللغة العربية وبعادات المسلمين وتقاليدهم مكنته من انتحال صفة المسلم بنجاح خلال إقامته بمكة المكرمة خلال موسم الحج وأدائه للمناسك في عام 1814م.

       كتب بوركهارت: «المسعى: هو الشارع الأكثر استقامة وطولا في مكة، وأحد الشوارع المتقنة البناء، وقد أخذ اسمه من شعيرة السعي التي تؤدى فيه.. خارج المسجد عبر بوابة تسمى «بوابة الصفا» تقع ثلاث قناطر «عقود» صغيرة مفتوحة الطرف الجنوبي الشرقي للمسجد، هذا هو ما يسمى بتل الصفا، يقف الحج هنا، على الدرجة العليا ووجهه باتجاه المسجد الذي حجبته عن الرؤية المنازلة الواقعة بينهما، ويتوجه إلى الله بالدعاء ملتمسا عونه على إتمام المسيرة المقدسة أو السعي، ثم ينزل ليباشر السير على طول شارع منبسط يبلغ طوله نحو ستمائة قدم، ويسميه المؤرخون العرب «وادي الصفا»، وهو يقود إلى المروة التي تقع على طرفه الآخر، حيث وضعت منصة حجرية ترتفع نحو ست أو ثماني أقدام عن مستوى الشارع، مع عدة درجات عريضة تؤدي إليها، وعلى الزائر أن يسعى بخطى سريعة من الصفا إلى المروة، ثم عليه أن يعدو لمسافة قصيرة حددت بأربعة أحجار أو أعمدة تسمى «الميلين الأخضرين»، بنيت في جدران المنازل على الجانبين، وتتلى الأدعية بلا توقف.. إن السير بين المكانين يجب أن يتكرر سبع مرات، حيث يختتم عند المروة، فيكون أربع مرات من الصفا إلى المروة، وثلاث مرات من المروة إلى الصفاة..

وهناك عدة دكاكين للحلاقة في المنطقة المجاورة للمروة، يدخل إحداها الحاج بعد أن يتم السعي، فيحلق رأسه ....

       وسجل بوركهارت في انطباعاته أن المنازل المحيطة بشارع المسعى: «مبان لائقة وجميلة، حيث يتخذ الأغنياء مساكنهم في موسم الحج، وهو الشارع الأكثر ضجيجا وارتيادا في المدينة»، وأشاد بمخازن التجاة، «ويستأجر الحجاج الأتراك المنازل كلها في شارع المسعى الذي بدا كسوق قسطنطينية، وتباع فيه الأزياء التركية الفاخرة والسيوف المتقنة الصنع والساعات الإنجليزية القيمة وأجمل المصاحف، وهي أثمن ثلاثة أشياء يمكن أن تجدها في حقيبة حاج تركي».

بيرتون.. الدبلوماسي الرحالة

       أما الضابط والدبلوماسي والعالم والرحالة البريطاني الشهير «ريتشارد بيرتون» الذي زار مكة المكرمة والمدينة المنورة عام 1843 وأدى مناسك الحج، فكتب باستفاضة عن معالم المدينتين المقدستين، وطبائع الناس وأحوالهم الاجتماعية والاقتصادية، وتحدث عن السعي بين الصفا والمروة، فكتب: «ودخلنا مكة بعد وقت يسير واتجهنا للحرم من بوابة الصفا، وطفنا حول الكعبة ثم غادرنا الحرم من البوابة نفسها، واتجهنا للصفا الذي يقع على بعد حوالي مائة ياردة إلى الجنوب الشرقي من المسجد الحرام، وعلى مقربة من نهاية الصفا مبنى متواضع يتكون من ثلاثة عقود دائرية ودرجات سلم تؤدي لهذه العقود خارج الطريق الضيق، واستدرنا بحميرنا دون أن ننزل عنها وبذلنا كل الجهد لرؤية الكعبة، ونوينا نية «السعي» وبعد التلبية، رفعنا أيدينا وكررنا مرتين: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، لا إله إلا هو وحده حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.. ثم هبطنا من الصفا والمكارية الصغار يسبقوننا ومعهم الفوانيس والنبابيت ليبعدوا عنها المهرولين.. وهبطنا في شارع المسعى نحو المروة، مرددين التلبية والدعاء، ولما وصلنا بطن الوادي - وهو الموضع الذي يحددونه الآن بعمودين أخضرين: أحدهما في الجانب الشرقي للحرم المكي، والآخر في منزل على الجانب الأيمن، بدأنا نحث دوابنا وكنا نردد: اللهم اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، فأنت الأعز الأكرم، نجنا من عذاب النار وأدخلنا جنتك بسلام وهب لنا السعادة في الدنيا والآخرة.. كنا قد عبرنا الجزء الأكثر انخفاضا في المسعى الذي تحدد نهايته بعمودين آخرين، ومرة أخرى بدأنا في الصعود حتى وصلنا للمروة، وهي مرتفعة قليلا كالصفا عند منحدر الجبل، ومن المسعى يصعد درجات قصيرة إلى منبسط محاط من جوانب ثلاثة بجدران عالية بدون عقود، ويبدو المسعى من أعلى منحنيا كوتر القوس ويبلغ طوله نحو ثمانمائة قدم، وتحفه المساكن المرتفعة من الجانبين وتخرج منه أزقة صغيرة.. لقد انتهى سعينا -سبعة أشواط- عند جبل المروة، حيث نزلنا من فوق حميرنا وجلسنا داخل دكان حلاقة إلى يمين الطريق،  دفعنا للحلاق ثم طرحنا ملابس الإحرام فوق رؤوسنا دلالة على أننا أصبحنا الآن في حالة «إحلال» ودخلنا الحرم وصلينا ركعتين.. ثم عدنا للبيت وقد شملنا بعض الإرهاق».

الضابط الروسي.. دولتشين

       ينتمي الضابط الروسي المسلم «عبدالعزيز دولتشين» إلى عائلة تترية نبيلة غلبت عليها روح التقوى الإسلامية، تخرج من المدرسة العسكرية في بطرسبرج، والتحق بالدائرة الآسيوية بوزارة الخارجية الروسية، وأتقن اللغات الشرقية: العربية والتركية والفارسية، بالإضافة إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية.

       قام دولتشين برحلته لأداء فريضة الحاج عام 1898م، واعتبرها «منحة من القدر».. وعقب وصفه لبئر زمزم المقدسة، تحدث عن شعيرة السعي بين الصفاوالمروة فكتب: «من الجانب الشرقي من الحرم يمتد شارع المسعى، ويصل بطرفه الشمالي إلى جبل المروة، وبطرفه الجنوبي إلى جبل الصفا، وينتهي عند الجبلين ببضع درجات واسعة في أعلاها ساحة صغيرة.. بين هذين الجبلين، بحثت هاجر وقد أضناها العطش عن الماء راكضة من جبل الصفا إلى جبل المروة ذهابا وإيابا، وعلى ذكرى هذا الحدث، يقطع الحاج هذه المسافة سبع مرات، وهذا الفرض يسمى «السعي»، والمكان الذي يؤدى فيه «المسعى».. في المساء، ينيرون الحرم وبعض الأماكن في المسعى بعدد هائل من القناديل».

       وأشار دولتشين إلى أن الحاج، عقب انتهاء الطواف بالكعبة، يؤدي ركعتين في مقام إبراهيم، ثم يخرج من الحرم عبر باب الصفا لأداء شعيرة السعي.. حيث يتجه الحجيج إلى جبل الصفا ويصعدون على درجاته، فيذهبون مرددين الأدعية المأثورة، إلى طرف الشارع نحو جبل المروة، والطريق تميزه علامات خاصة، وبعد الركض يستريحون ثم يرجعون إلى جبل الصفا وهكذا سبع مرات، والضعفاء يؤدون هذه الشعيرة على ظهور الحمير، أما المرضى فيحملون على نقالات، سواء في الطواف أو في السعي..».

الحاج ناصر الدين

       هو الفنان الفرنسي: الفونس اتيان دينيه، الذي أغوته صحراء الجزائر عام 1884م، وانبهر بطابع حياة المسلمين، وبحضور مفتي الجزائر أشهر إسلامه عام 1913م، وقال وهو يردد الشهادتين: «لم يكن اعتناقي الإسلام وليد صدفة، بل عن دراية تامة ودراسة عميقة طويلة الأمد لجميع الديانات».. استقر دينيه في «بوسعادة» وسجل في إبداعاته تفاصيل حياة أهلها اليومية.. وقام برحلة الحج برفقة صديقه: سليمان بن إبراهيم عام 1929م وتسمى باسم «الحاج ناصر الدين»..

       وفي كتابه «الحج إلى بيت الله الحرام» سجل انطباعاته عن رحلته ومناسك الحج، فتحدث عن أول نظرة إلى الكعبة والطواف حولها والحجر الأسود في استفاضة ومحبة إنسانية سامية، وماء زمزم المقدس، وعن السعي بين الصفا والمروة، كتب دينيه: «أنهينا مناسكنا بالكعبة وخرجنا من باب الصفا لنقوم بالسعي، وهو ركن واجب من أركان الحج، على الحاج القيام به يوم وصوله إلى مكة المكرمة، ويسعى الأشواط التي يكررها الحاج بين الصفا والمروة سبع مرات، لذكرى هاجر التي سعت بينهما قلقة أملا في العثور على شيء من الماء لوليدها إسماعيل، والمسعى شارع فسيح تحفه الحوانيت من كل جانب، والجموع غفيرة إلى حد أننا لم نستطع إيجاد مسلك لارتقاء الدرجات الموصلة إلى أحد أقواس الصفا، هنا ملنا إلى جهة الكعبة وبسطنا أكفنا بالدعاء، ورددنا وراء مطوفنا الدعاء المأثور: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله  الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، ولا نعبده إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون».. مشينا هرولة بين العمودين الأخضرين المتباعدين بحوالي ستين مترا، ثم مشينا إلى المروة التي تبعد أكثر من أربعمائة متر، وفوقها قوس واسع، صعدنا درجات من الحجارة حتى وصلنا إلى القمة فقلنا الدعاء نفسه، متوجهين نحو الكعبة، ثم نزلنا لاستئناف السعي الذي يجب القيام به سبعة أشواط بين الربوتين بشيء من المشقة!. وتحف بالمسعى حوانيت، وفي كل خطوة كنا نتصادم بالحجاج القادمين من الاتجاه المعاكس.. كان علينا المشي على أحجار البلاط التي صارت زلقة بفعل ماء التنظيف، حاسرين إحرامنا حتى لا يمسه شيء من الطين، مرددين وراء مطوفنا الأدعية دون توقف.. حتى بلغنا أخيرا نهاية أشواطنا السبعة عند ربوة المروة.

       دخلنا عند حلاق بشارع المسعى، استقبلنا بالدعاء بالحج المبرور والسعي المشكور،  وسقانا من الماء البارد ما روى ظمأنا الشديد.. دخلنا متعبين، ولكن ليس لنا الحق في التبرم، فقط كان السعي قديما أشد مشقة وسط سحب من الغبار أشد كثافة وتحت أشعة الشمس الحارقة حين كان المسعى مكشوفا وغير مرصوف».

الحاج عبدالله فيلبي

       تعد كتابات «فيلبي» موسوعة في أدب الرحلة وفي تاريخ وجغرافية واقتصاد وآثار المملكة العربية الإسلامية خلال عهد الملك عبدالعزيز، والذي وصفه فيلبي بأنه «من أعظم قادة الإصلاح في العصر الحديث».. في عام 1943م كان فيلبي في معية الملك المؤسس لأداء فريضة الحج، وتناول بالتفصيل لحظة خروج الموكب الملكي إلى مكة المكرمة، والحفل الملكي السنوي لاستقبال وفود الحجيج الرسمية، ومعالم المدينتين المقدستين، ومناسك الحج..

       عقب خروجه من الحرم المكي، انضم فيلبي إلى الجموع المتجهة إلى رأس المسعى: الصفا، وقال: «إنها تلة قديمة مبنية الآن، ولها بعض درجات عريضة من الجرانيت تزدان ببناء مقوس حديث نسبيا، في العصور القديمة، كان بإمكان الواقفين في هذا المكان رؤية الكعبة التي يتجه الحاج إليها بالدعاء المأثور.. ثم يهبط لبداية الشوط.. على الحاج شق طريقه في الزحام بما وسعه، ففي الخطوات المائة الأولى يسير حتى التقاطع، حيث يعبر المسعى طريق القشاشية، وامتداده بمحاذاة الجدار الشرقي للحرم إلى الحميدية -مقر الحكومة- ومن هذه النقطة يحدد عمود غائر في جدار الحرم بداية هرولة، وهناك عمود أخضر على يمين المسعى، على جدار دكان، يحدد نهاية الهرولة.. ثلاث وخمسون خطوة، وبعد ذلك يواصل الحاج سعيه مشيا ثلاثمائة وست خطوات المتبقية من الشوط، وهو الآن شارع واسع مغطى، على جانبيه الدكاكين، حتى التل المعروف بالمروة، المشابه للصفا في درجاته العريضة وبنائه المقوس، وطول المسعى نحو 380 ياردة، وقد تم تبليطه بالحجارة في عهد الملك عبدالعزيز، وأثناء السعي يردد الحاج الدعاء المأثور للمناسبة، والسعي سبعة: أربعة من الصفا وثلاثة في الاتجاه المعاكس.. جيش من الحلاقين يزحمون طرف المروة، يبدو أن لهم سوقا رائجة».

الدبلوماسي الرحالة مراد هوفمان