رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
12 مارس، 2012
3 تعليق

أزمة (باجرام كرست) عزلت الوجود الأمريكي ووحدت الأفغان لطي هذه الصفحة - حرق المصحف.. هل يكتب شهادة وفاة الوجود الأمريكي في أفغانستان

 

الهجوم الشرس على القاعدة العسكرية صعد الضغوط على القوات الأمريكية وأثار التساؤلات حول جدوى الجهود السلمية

القمة الثلاثية ومفاوضات الدوحة ووساطة الرياض تمهد الساحة لتسوية تخرج الأفغان من الدوائر المغلقة

رغبة باكستان في استعادة الدفء لعلاقاتها مع واشنطن وراء ضغوطها على طالبان للانضمام لمسيرة التسوية

طالبان تفضل تسوية إقليمية لملف الأفغان العرب والحديث عن قطيعة مع القاعدة سابق لأوانه

تعارض المصالح والعلاقة مع القاعدة والانتخابات الأمريكية قنابل موقوتة تهدد حلم السلام


لم تكن واشنطن بحاجة لأزمة جديدة في أفغانستان في ظل الضربات المتتالية من جانب حركة طالبان وتشديد ضغوطها العسكرية على القوات الغربية الحليفة بشكل أجبرها على التفكير مليًا في مغادرة البلاد هذا العام وعلى أكثر تقدير العام القادم مثلما أعلنت فرنسا خلال الفترة الأخيرة عن سحب قواتها حتى تندلع أزمة حرق المصحف في قاعدة باجرام الجوية، وهي الفعلة التي وحدت قلوب الأفغان وجعلتهم على قلب رجل واحد ضد الوجود الأمريكي والغربي عموماً، بل أشعلت تظاهرات ومواجهات ضخمة خلفت عشرات من القتلى والجرحى.

       وكانت هذه المرة الأولى منذ سنوات التي يجتمع الأفغانيون فيها على مختلف مشاربهم السياسية على رأي واحد يتمثل في إدانة ما أقدمت عليه القوات الغربية سواء من حركة طالبان أم من حكومة كرزاي أم في ألوان الطيف السياسي والديني لهذا التصرف الذي زاد الضغوط على القوات الغربية، بل دفع جموع الأفغان لمطالبة هذه القوات بالرحيل عن الأراضي الأفغانية، بل إن الموقف الرافض من قبل الأفغان لهذا الفعل قد دفع قيادة الأركان الأمريكية المشتركة والمنطقة العسكرية الوسطى للاعتذار عن هذا التصرف الذي وصفوه بالأهوج الذي لا يعبر عن السياسات الأمريكية في المنطقة.

 توحيد الصفوف

       ويعتقد على نطاق واسع أن حادث حريق المصاحف الذي جمع الأفغانيين على مختلف مشاربهم قد يكتب شهادة وفاة الوجود الغربي في أفغانستان في ظل اشتداد الحملة على هذا الوجود وقصف أفغان غاضبين لهذه القواعد ومطالبتهم بخروج هذه القوات في أسرع وقت ممكن وترك الأفغان يحددون  مصيرهم بأيديهم خصوصًا أن هذا الحادث جاء تاليًا لأنباء إيجابية عن بدء مفاوضات جادة بين حركة طالبان والولايات المتحدة في العاصمة القطرية الدوحة لإيجاد تسوية للأزمة الأفغانية المشتعلة منذ أكثر من عشرة أعوام عقب الاجتياح الأمريكي للبلاد عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهي المحاولة التي أعربت دوائر غربية عن تفاؤلها بإمكانية تحقيقها نجاحات رغم أن طالبان لم تبد أي رغبة في التنازل عن موقفها قيد أنملة رغم دخول عدد من الأطراف الفاعلة في الملف الأفغاني على خط الأزمة ومحاولتهم ضخ الدم في جهود إعادة الاستقرار لأفغانستان التي لم تعرف هدوءا منذ سقوط نظام ظاهر شاه في سبعينيات القرن الماضي وما تلاه من الاجتياح السوفيتي للبلاد.

حراك سياسي

       ورغم أجواء التوتر التي تشهدها أفغانستان على خلفية أزمة إحراق المصحف إلا أنها لم توقف جهود عدد من القوى المؤثرة في الملف الأفغاني لاستعادة البلاد الأمن والاستقرار عبر سعي متواصل لجمع الفرقاء الأفغان على طاولة مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة تنهي عقدًا كاملاً من الاضطرابات بفضل مقاومة طالبان الشرسة للقوات الأمريكية وحلفائها من دول الناتو، وهي المقاومة التي أزعجت قوى الاحتلال وأجبرتها على مسارعة الخطى للخروج من هذه الأزمة في ظل الإعلان الواضح من قبل بلدان حليفة لواشنطن رغبتها في مغادرة البلاد وتسليم ملف الأمن للقوات الأفغانية.

مساع محمومة

       وشهدت الأسابيع الماضية جهودا متسارعة وتحركات دبلوماسية مكثفة قادتها باكستان عبر احتضانها لقاء قمة ضم إلى جانبها كلا من إيران والرئيس الأفغاني حميد كرزاي مما أسفر عن صدور إعلان مشترك مؤيد لمساعي التهدئة وإعادة الاستقرار لأفغانستان مدعومة بمساعي أخرى تحاول باكستان إحياءها والمتمثلة في استئناف المملكة العربية السعودية جهودها بين حكومة كرزاي وطالبان للوصول لتسوية شاملة تتشكل بموجبها حكومة وحدة وطنية تضم جميع القوى الأفغانية وهي الوساطة التي ربطت الرياض بين القيام بها وبين تبني حركة طالبان إعلانًا صريحًا بالتبرؤ من تنظيم القاعدة وأعماله.

ورقة مهمة

       ورغم حالة الغموض حول إمكانية استجابة حركة طالبان للشروط السعودية أو فض التحالف مع القاعدة وهو التحالف الذي تعده الحركة ورقة مهمة بيديها لا ينبغي التفريط فيها إلا في حالة التوصل لتسوية شاملة للأزمة الأفغانية، إلا أن هذا لا ينفي وجود مقترحات بناءة للوصول لتسوية لهذه المعضلة، رغم أن طالبان لا تزال تفضل التعامل مع القاعدة وفق أصول الضيافة الإسلامية وأنه لا ينبغي طردهم من أفغانستان أو تسليمهم لأعداء الأمة مما قد يخلق صعوبة في الاستجابة للشروط السعودية باعتبار أن ما عجزت عنه واشنطن بكل الوسائل للفصل بين طالبان والقاعدة لن توافق عليه طالبان بسهولة إلا في إطار تسوية شريفة قد تضمن إيجاد تسوية جيدة لوضع حلفائها.

انفراجة مرتقبة

       ومع هذا الغموض فإن الساحة الأفغانية تبدو على موعد مع حراك سياسي ودبلوماسي بحسب د. جابر عوض أستاذ الدراسات الآسيوية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة؛ حيث تقود باكستان جهود تحقيق هذه الانفراجة مدفوعة بمساع لإعادة ترميم علاقتها مع الولايات المتحدة المتوترة بفعل احتضانها لأسامة بن لادن زعيم القاعدة طوال السنوات العشر الماضية؛ وهو أمر وسع الشقة مع الأمريكان وأضر بشدة باقتصاد باكستان المتداعي وانعكس على الوزن الجيوسياسي لإسلام آباد الراغبة بقوة في استعادة أرضيتها كقوى إقليمية صاحبة نفوذ في الداخل الأفغاني.

جفوة ومرونة

       وتسعى باكستان بحسب د.عوض للعب بورقة تهدئة الأوضاع في أفغانستان لاستعادة الحليف الأمريكي وإنهاء حالة الجفوة التي حكمت علاقاتهما منذ تصفية بن لادن، بل إنها راغبة بقوة في الاستفادة من المرونة التي أبدتها حركة طالبان وقبولها الدخول في مفاوضات سلام مع المحتل الأمريكي عبر قناة الدوحة القطرية معتبرة هذه المرونة فرصة ذهبية لتعويض ما فاتها خلال عام 2011م الذي يعد من أسوأ الأعوام التي عانتها باكستان منذ عقود عدة وترغب في تجاوزه   ومحاولة الاقتراب إلى عقل واشنطن مجددًا وتقديم نفسها بصفة راع للسلام والمصالحة في أفغانستان بعد أن ظلت أعوامًا طويلة عنوانًا لعدم الاستقرار.

       ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد حيث حاولت إسلام آباد عبر تصريحات دبلوماسية توصيل رسائل لواشنطن عبر تصريحات متتالية عن أهمية إعادة الهدوء والاستقرار لأفغانستان ومعه الدفء لعلاقاتها مع إدارة أوباما انطلاقًا من أن المصالح المشتركة تفرض تجاوز الجفوة التي عانت منها علاقات البلدين بل سارت في الشوط لآخره بالزعم أنها لا ترى ضرورة لانسحاب فوري للقوات الغربية من البلاد بل تعتبر أنه من الضروري بقاءها لفترة مخافة أن تعم الفوضى، وهو موقف يخالف ما داومت عليه باكستان منذ سنوات عديدة من اعتبارها أن وجود القوات الغربية يعد من عوامل عدم الاستقرار في المنطقة.

       وتجاوزت باكستان هذا الأمر للاستفادة من علاقاتها الإستراتيجية مع المملكة العربية السعودية وما لها من قوة روحية وسياسية واقتصادية للقيام بمحاولة وساطة بين طالبان وكرزاي انطلاقًا من أن الصلات الوثيقة للرياض مع ألوان الطيف الأفغاني تمهد السبيل لطرح مبادرة تحظى بالمصداقية كون المملكة لا تحمل أجندة خاصة بأفغانستان أو غيرها، بل تسعى لإعادة شمس الاستقرار والتنمية والرفاهية تشرق على أفغانستان مجددًا.

القناة القطرية

       غير أن الشرط الذي وضعته السعودية والخاص بالقاعدة قد لا يجد آذانا مصغية لدى طالبان؛ فالحركة لم ترحب في السابق بعروض لفك ارتباطها بحليفها الراديكالي رغم الخلافات الشديدة في (منفستو)الطرفين، ولاسيما في السنوات الأخيرة وهي خلافات يبدو أنها تصاعدت مع تصفية أسامة بن لادن الذي يعد المهندس الحقيقي للتحالف بين الطرفين، ومع هذا فقد لا تقدم طالبان على الاستجابة للشرط السعودي مفضلة التركيز على القناة القطرية التي لم تلزم الحركة بشروط معينة للدخول في الحوار مع الأمريكيين بل يمكن القول إن العكس هو الصحيح تمامًا حيث رهنت طالبان دخولها في حوار مع الأمريكيين بشروط.

استقرار ومصالح

       ويشكل الشرط السعودي صعوبة بالغة في إقناع طالبان، فالحركة لا تبدو مقتنعة بالاستماع لوجهات النظر الغربية في هذا الصدد بل ترغب في إيجاد تسوية إقليمية لهذا الملف تضمن عودة ما يطلق عليه الأفغان العرب لبلادهم ومحاكمتهم أمام قضائهم المحلي إذا رغبوا دون أن تؤدي واشنطن دورًا مهمًا في هذا الإطار بما يضمن إغلاق هذا الملف، وهو تصور قد يجد آذانا صاغية لدى بعض القوى بل قد تطرحه باكستان المرتبطة عبر مخابراتها العسكرية في صلات وثيقة بالتنظيم وكوادره بحسب د.حسام سويلم الخبير الإستراتيجي الذي يرى أن هناك إمكانية لتسوية هذا الملف إذا كان يضمن عودة نوع من الاستقرار لأفغانستان ويضمن مصالح باكستان.

       غير أن د. سويلم يرى أن مساعي إسلام آباد لإعادة الهدوء لأفغانستان ومساعيها قد لا تجد قبولا لدى الجميع، فبعضهم يراها محاولة لتجميل صورة إسلام آباد فقط وتخفيف حدة التوتر مع واشنطن ولاسيما أنها تدرك أن الوقت يصب في صالح حليفتها التقليدية طالبان التي تحرز انتصارًا تلو الآخر يكرس التململ في صفوف القوات الأطلسية لدرجة أن إحدى عملياتها النوعية في صفوف القوات الفرنسية قد أجبرت الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على تحديد موعد لمغادرة القوات الفرنسية الأراضي الأفغانية وهو سيناريو يتوقع تكراره خلال الأشهر القادمة.

       ولا يتجاهل الخبير الإستراتيجي القلق الباكستاني من تنامي النفوذ الهندي داخل عمقها الإستراتيجي وهو قلق جعلها تدرك أن عليها دورًا يجب أن تؤديه في إعادة السلام كما أدته في الحرب أو عبر استمرار دعمها لحركة طالبان انطلاقًا من أن أي استقرار لحكومة كرزاي والأمريكان يصب في صالح الهند ومن ثم فهي تبدو جادة في ممارسة ضغوط على حلفائها الطالبانيين لتبني مواقف أكثر مرونة فضلاً عن أنها لن تخسر شيئًا من مجهود السلام عموماً، فإذا حققت هذه الجهود اختراقا فسينسب النجاح لها وبالتالي تعميق نفوذها في بلاد البشتون وهو نفوذ ينتقص من التمدد الهندي فيما لن تخسر شيئا في حالة عدم نجاح هذه الجهود خصوصًا أمام القوى العظمي وحلفائها الأطلسيين بل إن مثل هذه الجهود قد تخفف الضغوط المتصاعدة عليها في هذا الملف المشتعل منذ سنوات.

تعارض المصالح

       مساعي باكستان لإعادة شمس السلام تشرق سواء إذا كانت تنم عن توجه إستراتيجي أم مجرد تحرك تكتيكي يمهد السبيل لعودة طالبان مجددًا لسدة السلطة، ولا ينبغي أن تتجاهل وجود عراقيل عديدة تقف في وجه عودة السلام لأفغانستان فتعارض المصالح بين القوى المؤثرة في الساحة الأفغانية قد يقف عقبة أمام حدوث تقدم في الساحة الأفغانية فالهند مثلاً التي اكتسبت أرضية كبيرة في الداخل الأفغاني عبر أجهزة استخباراتها وأذرعها الاقتصادية لن ترحب بالسلام الذي تستطيع معه جارتها اللدودة باكستان وعبر حلفائها تعويض ما فقدته خلال العقد الماضي من ثم فستضع العقبة تلو الأخرى وستمارس ضغوطًا علي حكومة كرزاي لتبني موقف متشدد من جهود السلام عبر إلزام طالبان بالموافقة على الدستور الأفغاني الحالي وهو ما ترفضه الحركة رفضاً باتاً مما قد يسدد رصاصة الرحمة علي جهود السلام.

       ولا تقف الهند في هذا الإطار فإيران أيضًا تعد أفغانستان إحدى الأوراق لديها لمواجهة الضغوط الأمريكية بخصوص ملفها النووي ولن تكون سعيدة وهي ترى السلام ينتشر في فنائها الخلفي ليحرمها من ورقة تستطيع مقايضة الجانب الأمريكي بها إذا حانت لحظة مراجعة الأوراق أو لنقل تصفية الحسابات لذا فلن تعدم إيران وسيلة لاستخدام نفوذها لدى الهزارة والأطراف الشيعية الموالية إليها لنفض أيديهم من أي اتفاق بين حركة طالبان وحكومة كرزاي سعيًا لاستمرار الجار الأمريكي يعاني داخل المستنقع الأفغاني.

المربع صفر

       ويزيد من حالة الغموض أن الإدارة الأمريكية الحالية لن تستطيع الاستمرار في شوط السلام مع حركة طالبان إلى آخره خصوصًا مع اقتراب انتخابات الرئاسة، حيث ستجد هذه الإدارة نفسها أمام مساحة محدودة للحركة فهي لن تستطيع تقديم تنازلات لطالبان بشكل يعيدها اللاعب الأهم في الساحة الأفغانية حيث ستتمسك بضرورة موافقة طالبان على الدستور الأفغاني الحالي وفك الارتباط مع القاعدة وإدانة الإرهاب، وهو ثمن قد لا يرضي حركة طالبان، بل قد يعيد الأزمة للمربع صفر فضلاً عن أن مصير الوساطة السعودية بين الأطراف الأفغانية قد لا يكون أفضل حالاً من مساع سابقة بسبب عدم دعم أجنحة عديدة داخل طالبان للقطيعة مع القاعدة كشرط لدخول الرياض على خطى الأزمة.

       وسواء نجحت الوساطات المختلفة في إقناع الأطراف بقبول حل وسط أو في حالة تبني الأطراف المختلفة لخط متشدد فأن عودة السلام إلي أفغانستان ما زالت أمرا بعيد المنال كما يري د. محمد رفعت الإمام الخبير في الشؤون الآسيوية، فطالبان قد لا تجد نفسها مدفوعة نحو تقديم تنازلات جادة ولاسيما أن لعبة توازن القوى داخل الساحة الأفغانية تصب في صالحها في ظل حالة الضعف التي تعاني منها القوى الموالية لواشنطن وحكومة كرزاي وهو ما سيدفعها لعدم تقاسم السلطة مع الحكومة المتهاوية في إسلام آباد والاستفادة من عامل الوقت لتكريس سيطرتها على المشهد الأفغاني مجددًا.

أضف تعليقك