رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
مقالات
Responsive image
2 مايو، 2011
3 تعليق

في دراسته الرائعة عن السلاجقة.. المؤرخ علي الصلابي يستعرض فقه نور الدين في التعامل مع الدولة العبيدية

  في خضم المشكلات الطائفية التي تثيرها بعض دول المنطقة ومشاريعها العدائية تجاه الدول الإسلامية، وعدائها الواضح للتراث الإسلامي السني ومحاربتها كل ما يمت إلى الإسلام الصحيح بصلة، يجب قراءة التاريخ الإسلامي بطريقة جيدة لاستخلاص العبر والدروس المناسبة للتعامل مع مثل هذه الأمور الشائكة، ولاسيما أن نشر الفكر الطائفي الصفوي أصبح استراتيجية لها معالمها، وقد أشرنا إليها في العدد قبل السابق، وعليه فإننا نستلهم من التاريخ الإسلامي بعضا من الإستراتيجيات التي استخدمها بعض القادة الأفذاذ للتعامل مع الدول الطائفية والفرق الباطنية، وهذا ما قام به المؤرخ الإسلامي المعاصر علي محمد الصلابي في كتابه «الدولة السلجوقية» حيث لخص لنا فقه نور الدين محمود في تعامله مع الدولة العبيدية ونلخصه كالآتي:

- يذكر الصلابي بعض جرائم العبيديين في الشمال الأفريقي التي تؤكد عداوتهم الشديدة للإسلام والمسلمين ومنها:

أ- غلو بعض دعاتهم في عبيد الله المهدي: حتى إنه أنزله منزلة الإله وأنه يعلم الغيب، وأنه نبي مُرسل، يقول بدر الدين بن قاضي شهبة: وكان له (أي المهدي) دعاة بالمغرب يدعون الناس إليه، وإلى طاعته، ويأخذون عليهم العهود ويلقون إلى الناس من أمره بحسب عقولهم، فمنهم من يلقون إليه أن المهدي ابن رسول الله وحجة الله على خلقه، ومنهم من يلقون إليه أنه الله الخالق الرازق.

ب- التسلط والجور وإعدام كل من يخالف مذهبهم، هذا فضلاً عن طعنهم في الصحابة وتعليق رؤوس الأكباش الدالة - في زعمهم - على أسماء الصحابة وغير ذلك من الأفعال القبيحة والشنيعة التي كانوا يقومون بها وكانوا يجبرون الناس على الدخول في مذهبهم بوسيلة التخويف بالقتل وقد نفذوا حكم الإعدام في أربعة آلاف رجل مرة واحدة. قال القابسي: إن الذين ماتوا في دار البحر - سجن العبيديين - بالمهدية من حين دخل عبيدالله إلى الآن 4 آلاف رجل في العذاب ما بين عالم وعابد ورجل صالح.

ج- تحريم الإفتاء على مذهب الإمام مالك: حرموا على الفقهاء الفتوى بمذهب الإمام مالك، وعدوا ذلك جريمة يعاقب عليها بالضرب والسجن أو القتل أحيانا، ويعقب ذلك نوع من الإرهاب النفسي، حيث يدار بالمقتول في أسواق القيروان وينادى عليه: هذا جزاء من يذهب مذهب مالك، ولم يبيحوا الفتوى إلا لمن كان على مذهبهم.

د- إبطال بعض السنن المتواترة والمشهورة: والزيادة في بعضها كما فعلوا في زيادة: «حي على خير العمل» في الأذان، وإسقاط صلاة التراويح، بعد أن تُرك الناس يصلونها عاما واحدا؛ ولهذا ترك أكثر الناس الصلاة في المساجد.

هـ- إتلاف مصنفات أهل السنة: أتلفوا مصنفات أهل السنة، ومنعوا الناس من تداولها كما فعلوا بكتب أبي محمد بن أبي هاشم التجيبي، الذي توفي وترك سبعة قناطير كتب، كلها بخط يده، فرفعت إلى سلطان بن عبيد فأخذها ومنع الناس منها كيدا للإسلام وبغضا فيه.

و- منع علماء أهل السنة من التدريس: منعوا علماء أهل السنة من التدريس في المساجد، ونشر العلم، والاجتماع بالطلاب، فكانت كتب السنة لا تقرأ إلا في البيوت خوفا من بني عبيد.

ز- عطلوا الشرائع: أسقطوا الفرائض عمّن تبع دعوتهم حيث يتم إدخالهم إلى داموس، ويدخل عليهم عبيد الله لابسا فروا مقلوبا دابا على يديه ورجليه فيقول لهم: «بَح» ثم يخرجهم ويفسر لهم هذا العمل بقوله: فأما دخولي على يدي ورجلي فإنما أردت بذلك أن أعلمكم أنكم مثل البهائم لا شيء، ولا صوم ولا صلاة، ولا زكاة، ولا أي فرض من الفروض، وسقط جميع ذلك عنكم، وأما لباس الفرو مقلوبا فإنما أردت أن أعلمكم أنكم قلبتم الدين، وأما قولي لكم «بَح»، فإنما أردت أن أعلمكم أن الأشياء كلها مباحة لكم من الزنى وشرب الخمر.

ح- إجبار الناس على الفطر قبل رؤية الهلال: كانوا كثيرا ما يجبرون الناس على الفطر قبل رؤية هلال شوال، بل قتلوا من أفتى بأنه لا فطر إلا مع رؤية الهلال.

ط- إزالة آثار خلفاء السنة: عمل حكام الدولة الفاطمية في المغرب الإسلامي على إزالة آثار بعض من تقدمهم من الخلفاء السنيين، فقد أصدر عبيد الله أمرا بإزالة أسماء الحكام الذين بنوا الحصون والمساجد وجعل اسمه بديلا منهم، واستولى هذا الباطني على أموال الأحباس وسلاح الحصون، وطرد العباد والمرابطين بقصر زياد الأغلبي وجعله مخزنا للسلاح.

ي- دخول خيولهم المساجد: من جرائم عبيد الله الكثيرة أن خيله دخلت المسجد، فقيل لأصحابها: كيف تدخلون المسجد؟ فقالوا: إن أرواثها وأبوالها طاهرة؛ لأنها خيل المهدي، فأنكر عليهم قيّم المسجد، فذهبوا به إلى المهدي فقتله.

      إن المسلمين المعاصرين يقرون تايخ الدولة الفاطمية العبيدية لا يعلمون إلا ما كتب لهم عن التاريخ السياسي لهذه الدولة، ذهب فلان وخلفه فلان، وأنها دولة تحب العلم وتنشره، والمقصود نشر كتب الفلاسفة، ولكن القليل من يذكر بطش هؤلاء الباطنية بالعلماء من أهل السنة، بل إن الطلبة الذين يدرسون التاريخ الإسلامي يذكرون المعز لدين الله الفاطمي وكأنه بطل من أبطال التاريخ، وهذا كله نتيجة لغياب التفسير العقدي الإسلامي لتاريخنا، بل إن بعض المؤرخين الذين كتبوا لنا التاريخ تأثروا بمدارس الاستشراق، أو بالفكر الرافضي، وبذلت لهم الأموال لطمس الحقائق وتزوير التاريخ، ولا يزال الصراع الباطني والإسلامي ممتدا إلى يومنا هذا.

أساليب المواجهة

      وبعد توضيحه لجرائمهم يستعرض أساليب المغاربة في مواجهة الدولة الفاطمية العبيدية، ويقول الصلابي: لقد سلك علماء السنة المغاربة في مقاومة التشيع أساليب عديدة، منها المقاومة السلبية، والمقاومة الجدلية، والمقاومة المسلحة، وكانت هناك أنواع أخرى من المقاومة، مثلا عن طريق التأليف وعن طريق نظم الشعر.. إلخ.

أ- المقاومة السلبية: أولى الوسائل التي استعملها علماء المغرب السنة في مقاومة التيار الباطني: الوسيلة السلبية، ونعني بها: المقاطعة الجماعية التي قاطع بها علماء المغرب كل ما له صلة بهذا التيار أو بالحكم القائم.

ب- المقاومة الجدلية: كانت المقاومة الجدلية هي أقوى وأوسع أنواع المقاومة التي قام بها علماء السنة المغاربة ضد الشيعة الرافضة، وقد سطع في سماء هذه المساجلات العلمية والمناظرات العقدية عدد كبير من العلماء، وكانوا لسان أهل السنة الناطق والذاب عن بيضة هذا الدين، وممن لمع نجمه في ميدان المناظرة: الشيخ عبدالله بن التبان (ت371)، وقد اشتهر بسبب مناظرته لبني عبيد حتى ضربت إليه أكباد الإبل من الأمصار المختلفة لعلمه بالذب عن مذهب أهل السنة.

ج- المقاومة المسلحة: لم يكتف علماء المغرب بالمقاومة السلبية والمقاومة الجدلية، بل منهم من حمل السلاح وخرج ليقاتلهم، فهذا جبلة بن حمود الصدفي ترك سكن الرباط ونزل القيروان، فلما كلم في ذلك قال: كنا نحرس عدوا بيننا وبينه البحر، والآن حل هذا العدو بساحتنا، وهو أشد علينا من ذلك وقال: جهاد هؤلاء أفضل من جهاد أهل الشرك. واستدل بقوله تعالى: {يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار}، ومنهم الإمام: أبوالقاسم الحسن بن مفرج (ت 309هـ) الذي كان من أوائل من خرج على العبيديين ومات شهيدا، قتله عبيدالله المهدي وصلب هو ورجل يدعى أبا عبدالله السدري الذي كان من الصالحين، وكان قد بايع على جهاد عبيدالله وجعل يحث الناس على جهاده فبلغ خبره عبيد الله، فأمر بقتله.

      ثم إن العلماء خطوا خطوة أكبر بإصدار فتوى بوجوب قتال الدولة الفاطمية العبيدية، وكان ذلك بعد اجتماع وتشاور بين علماء السنة وتحالفوا مع أهل القبلة ضد الفاطميين الذين حكموا عليهم بالكفر لمعتقداتهم الفاسدة.

د- المقاومة عبر التأليف: وكانت المقاومة عبر التأليف من الوسائل المجدية والنافعة في مقاومة الشيعة حيث كان لها أثر طيب في إقلاقهم وقض مضاجعهم وإعلانهم الحرب على من يفعل ذلك، كما كان لها أثر في تبصير العامة بالحق وإرساء دعائم السنة.

هـ- مقاومة شعراء أهل السنة: إلى جانب وسيلة التأليف كانت هناك وسيلة نظم الشعر لهجو بني عبيد وذمهم، وقد برز في هذا الميدان كثير من الشعراء.

 

أضف تعليقك

التعليقات

  • لا توجد تعليقات لهذه المادة

Ads