من أرشيـف علماء الدعوة السلفية في الكويت – الشيخ عبد الله السبت- رحمه الله (24) وسائل الدعوة والموقف
هذه محاضرات ألقاها الشيخ عبدالله السبت -رحمه الله- على أوقات متفرقة ومجالس متنوعـة، دارت حول إيضاح مفهـوم المنهج السلفي الصافي، وكشف عُوار الدعوات المشوهة له، أثراها بالأمثلة الحية التي تُلامس الواقع، بأسلوبٍ موجز لا حشو فيه، سهل ميسّر، بقوة حجة، واطلاعٍ تام بحال الجماعات الإسلامية المعاصرة، موجَّهٌ إلى أفهام عُموم الناس، غير مختَصٍ بنخبةٍ معينة، قام بجمعها وترتيبها الأخ بدر أنور العنجري، في كتاب (ملامح أهل الحديث) المطبوع حديثاً، ومنه استقينا مادة هذه السلسلة.
لابد أن يُعلم -كما قُلتُ مرارًا وتكرارًا- أننا لا ننشئ أمراً جديداً، ولا نقعد لأمر لم يعرفه من سبق، وإنما نحن ننقل ما كان عليه الأولون من السلف الصالح -رَضِي اللَّهُ عَنْهُم وأرضاهم.
المسألة الأولى: ما معنى الدعوة؟
بعض الناس يظن أن هذه الدعوة شيء جديد، وأنه ناتج عما يُسمى بـ(الصحوة الإسلامية)، ومن ثم صار عندهم في المجتمع: أناس دعاة، وأناس غير دعاة، وهذا من التلبيس؛ فإن الدعوة بدأت مع كل نبي ومع كل رسول، ورسولنا - صلى الله عليه وسلم - قد دعا إلى الله -عزوجل-، ودعا معه الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-، كما قال -سبحانه وتعالى-: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِ أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَى وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف:١٠٨)؛ فالدعوة قديمة ومتجددة بتجدد أحوال الناس، والله -عزوجل- جعل الذي يدعو إلى سبيله من أحسن الناس قولاً كما قال -سبحانه-: {وَمَن أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَلِحَا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت: ٣٣).
المسألة الثانية: يجب أن نفهم ما معنى وسيلة؟
لأنه طرأ جدل كثير حول وسائل الدعوة، هل هي توقيفية أم اجتهادية؟ فعلماء الدعوة السلفية بجميع مراتبهم يقولون بأن وسائل الدعوة توقيفية، يعني لا ينبغي الاجتهاد فيها، وإنما هي عبادة الله -عز وجل- والأدوات بنصوص القرآن ونصوص حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذه العبادة واللوازم غاياتها ووسائلها توقيفية، لكن في هذا العصر نشأ خلط من الناس متعمّد، فجَعَلوا (الوسائل) مع (الأسباب) و(الأدوات)، فالجهاد إلى الله -عزوجل- لا شك أنه عبادة عظيمة ووسائله توقيفية، لكن أسبابه ولوازمه وأدواته ليس لها نهاية؛ فلا نقول لا يجوز الجهاد إلا على حصان أو على بعير أو بسيف، وإنما يُجاهد بالمدفع والرشاش والصاروخ كي يتحقق النصر.
إذا كلام العلماء في الوسائل يجب أن يكون مُنصَبا على ما كان متعلقاً بالمنهج ومرتبطاً بفهم الدين والدعوة، هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: تعدد الأدوات والوسائل
الأدوات والوسائل الأخرى الباب فيها مفتوح، فلا نعلم عالماً من علماء المسلمين قال: بأن الراديو والمسجل والكتاب والشريط (الكاسيت) لا تجوز لأنها مُحدَثَة؛ فإذا قرأتُم لعلمائنا كلمة: (وسائل الدعوة توقيفية) فمعناها: الوسائل ذات الصلة بمنهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنقول هذه لم يفعلها الأوَّلون فلا نفعلها، ونضرب مثالاً في مسألة الحج، فالله -عزوجل- أمرنا بـرمي الجمرات، وسيلة عبادية محدودة المعالم، فلو جاء شخص يسأل: كيف أصل إلى الجمرات؟ نقول هو حر، يصل على رجله، على بعير، بطائرة، الباب مفتوح، وكذلك وسيلته في تجميع الحصى، مفتوحة واسعة، لكن وسيلته في تحقيق هذه العبادة، ألا وهي كيف يوصل هذه الحجارة إلى موضعها؟ فهذه عبادة، فلا يجوز له أن يجتهد فيها، فلا يجوز أن يرمي بمسدس ولا بغيره إلا بيده.
الوسائل توقيفية
إذا فالوسائل التي توصل إلى الهدف ومرتبطة بالمنهج توقيفية، لا يجوز الاجتهاد فيها، أما الوسائل المستجدة التي تعين على الدعوة إلى الله -عز وجل- فأمرها واسع، وتتجدد بتجدد العصور والأزمان {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (النحل:8)؛ لهذا السبب نأتي إلى بيان بعض الوسائل التي طرأ فيها الكلام في هذا العصر بالذات.
وهناك مسألة في الأصول تقول: (دوافع الفعل إن كانت متوفرة ولم يفعل، فلا ينبغي لنا أن نفعله)، فمثلاً قراءة الختمة على الميت؛ بحيث يجتمعون في مكان، ويجمعون الناس ليقرؤوا القرآن؛ حتى يحصل الأجر للميت، فتجد الصحابة -رضوان الله عليهم- والتابعين لم يفعلوه، فهل لا يريدون الأجر؟! فدوافع الفعل موجودة والسبب موجود، ولا يوجد مانع يمنعهم من ذلك، فنقول يقيناً: لو كان خيراً لسبقونا إليه، فإذا أتيحت الفرصة للمجتمع الإسلامي -كما في عهد الرسول- صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين- بالقيام بعمل ما، ولم يقم به، فنجزم يقيناً -وإن جاء بفوائد- أنه لا يجوز القيام به.
ومن ذلك أيضًا استخدام التمثيل في الدعوة إلى الله، فهي وسيلة كما يقولون، فنقيم مسرحية مثلاً ونمثل دور الفاسق ودور الصالح .. ثم بعد ذلك نوصل للناس أن الصحبة السيئة آثارها وخيمة.
فنقول: إن هذا لا يجوز، ما السبب؟ لأن الدافع إليه متوفر في عهد الصحابة ولم يفعلوه، ولا يأتِي آتٍ فيقول: إن التمثيل لم يكن موجوداً ولم يعرفوه، نقول: التمثيل قديم عند اليونانيين، والتشبيه وأحواله والقصص والروايات على لسان الآخرين قد وردت في شعر العرب.
وكذلك التمثيل فيه محاذير؛ لأن ما من شيء ممنوع إلا وفيه محاذير، كالكذب وتشَبُّه المسلم بالكافر وبالبهائم أحياناً، وتشبه الرجل بالمرأة، وتوسع بعضهم وأدخل فيه الموسيقى وغيرها، والإسلام انتشر عبر الدنيا من غير التمثيل والمسرحيات، وأنا قلت لإخواننا المتحمسين للإعلام ائتوني بشخص دخل في الإسلام متأثراً بمسرحية إسلامية أو فيلم! ومثله كذلك ما استجد في عصرنا هذا بما يسمى بالاعتصامات والمظاهرات ، والناس تفهم أنها وسيلة دعوة، وهذا خطأ وإنما هي وسيلة إنكار منكر.
المظاهرات والاعتصامات لا تجوز
والمظاهرات والاعتصامات نرى أنها لا تجوز؛ لأنها أولاً: من إنتاج الكفار، ونحن نُهينا أن نتشَبَّهَ بهم مُطلقاً، والثانية: أنه بالتجربة قد ظهر فسادها أكثر من نفعها، الثالثة: أنها تفتح باب فساد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فكأننا نُعين على ما يُسمى بـ(التهييج)، وأي بلد تكثر فيه المظاهرات، لا يحصل له الاستقرار، وقد مَنَعَها علماؤنا، لأن مظاهر الشر فيها أكثر من مظاهر الخير.
وقد يقول قائل: لكنها وسيلة ضغط على الحاكم، فنقول: صحيح لكن قد تكون أيضاً وسيلة فساد.
ثم قد يقول: أنتم منعتموها لمظنّة الضَّرر؛ فنقول: لا، المنفعة فيها ظنّية، ولنُسلّم جَدَلاً أن الضرر أيضاً ظني، فمن المقرر عندنا أن دفع المفاسد أولى من جلب المصالح، فدفع الضرر الظني أولى من كسب المنفعة الظنية.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
ويرتبط بهذا مباشرة، قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولابدّ من تقرير مَسائِل بإيجاز:
- أولاً: يجب أن نعتقد اعتقادًا جازمًا أن هذه عبادة، يعني مثل الصلاة والصيام والزكاة.
- الأمر الثاني: أن الله -تعالى- الذي فَرَض علينا الدعوة إلى دينه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلا يُعقل أن يتركنا هملاً، نتصرف في هذا الكون كما نُريد وهو ربنا -جل وعلا.
- الثالث: أن الهدف الأساس الذي قرره علماؤنا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إصلاح الناس لا إقامة الحجة عليهم، فإقامة الحجة فقط حاصلة، لكن نيتك يجب أن تنصرف إلى إصلاح هذا العبد ليكون عبداً لله، «لأن يهدي الله بك رجلًا واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس»، وليس أن تُقيم الحجة عليه ثم تكفّره وتقيم عليه الحد؛ فعلى كل آمر، وكل ناه، وكل مجاهد، وكل داعية أن يفرّق بين هذين الأمرين.
شعور المحبة والخير للناس
هذا الشعور يجب أن يكون عند الداعي إلى الله -سبحانه وتعالى-، وعند الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، شعور المحبة والخير للناس، وهكذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُحِب الخير للناس، ويحرص على أن يوصله إليهم. الأمر الرابع أننا يجب أن نعلم أن هناك قواعد شرعية لا بد أن نسلكها، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يختلف في مراتب الناس، فلكل إنسان مرتبة معينة، فلا شك أنك عندما تريد أن تأمر والديك أو تنها هما يختلف الأمر والطريقة عن غيرهم، وكذلك معلمك، وكبير السن والإنسان في الشارع، وكذلك الحاكم، فلابُدّ إذاً لكل من يريد أن يشتغل بالإصلاح أن يراعي هذه الفروقات، وألا تختلط عنده الأوراق؛ فيضيع.
يرد هنا اعتراض: كيف تقولون بالمناصحة السرية، وأنتم تُجيزون للأعضاء في البرلمان ما يُسمى بالمناقشة العلنية للوزراء بل الاستجواب؟
والجواب حتى لا يُلبس الأمر على الناس: هناك فرق بين من أعطي صفة الأمر بالمعروف من عوام الناس، ومن أعطي صفة أهل الحل والعقد من الناس، وأهل الحل والعقد أعيان الناس الذين يخالطون الأمراء والحكام والمسؤولين، فهؤلاء يجب عليهم أن ينصحوا ويبينوا ويناقشوا؛ لأن من صفات أهل الحل والعقد أنه يأمر وينهى ويحاسب؛ ولذلك انظروا إلى الصحابة الكبار كيف كانوا يحاسبون مع عُمر - رضي الله عنه - ولاتَه.
وكان الوالي يأتي ويُستدعى من البصرة أو من الشام إلى مجلس عُمر - رضي الله عنه -، ويكون في المجلس أعيان البلد الذين اشتكوا عليه -هذا إنكار علني- يؤتى بأمير الكوفة ويؤتى بأعيان الكوفة أهل الحل والعقد فيها، فيقول لهم عمر هذا صاحبكم فقالوا فيه كذا وكذا وتُجرى المساءلة، فهذا الذي كان يجري في عهد خلفاء الإسلام أن يؤتى بالوالي الذي هو بمثابة وزير، ويناقش من أهل الحل والعقد ويبين له انحرافاته المالية والاجتماعية والشرعية، ثم بعد ذلك يحكم الخليفة، ويخرجون.
الآن أعضاء البرلمان قد أعطاهم النظام صفة أهل الحل والعقد، فهم يمارسون دورهم الشرعي الذي هو متمثّل في نظام أهل الحل والعقد؛ فتأتي جماعة من المشاغبين في هذه الأيام فيقولون: كيف تمنعون الإنكار العلني على المنابر وتجيزونه لأعضاء البرلمان؟ فرق بين أن يقف الخطيب فيُهيّج العامة ويفتح باب شر، وبين أن يقف صاحب الاختصاص مواجهةً للمسؤول ويناقشه من واقعه يختلف هذا عن هذا تماماً.
لاتوجد تعليقات