خطورة الإلحاد الجديد (7)إيهاب شاهين: العلاقة بين الدين والعقل علاقة تكاملية وليست تصادمية
ما زال حديثا مستمرًا فى استعراض بحث خطورة (الإلحاد الجديد) للباحث فى شؤون الإلحاد إيهاب شاهين، الذى عُرض فى ندوة مركز ابن خلدون للدراسات الاستراتيجية؛ حيث تناول الباحث أبعاد الإلحاد وأسبابه، وأهم الشبه التى يسقط فيها من تأثر بهذا الفكر، واليوم نستعرض الحديث عن الأدلة العقلية ومكانة العقل فى الإسلام.
أكد شاهين أن الله ميز الإنسان عن سائر المخلوقات بأن وهبه عقلا يدرك به الأمور، ويصل من خلاله إلى التمييز بين الأشياء صحيحها وسقيمها وحسنها وسيئها، ولما كان العقل آلة إدراك كبقية الآلات عند الإنسان كالسمع والبصر والشم وغيرها، فإن هذه الآلة لها حدود إدراك، كحاسة البصر؛ إذ لا يمكن للبصر أن يتخطى حدوده، وكذلك السمع آلة لإدراك المسموعات ولها حدود إذا كلف بتخطيها تعطلت هذه الآلة كأن كُلف بأن يسمع بهذه الحاسة ما يجرى ويدور على بعد كيلو مترات عدة؛ فإن هذا لا يمكن وقوعه، وتقف هذه الحاسة عند حدودها، كذلك العقل له حدود لا يتخطاها، كلما كان داخل هذه الحدود وجب عليه إعمال هذه الألة وعدم إهمالها، وكلما خرج عن نطاقها لا يمكنه استعمالها.
ضبط العلاقة بين العقل والشرع
وعند التأمل تجد أن دين الإسلام ضبط العلاقة بين العقل والشرع، بل حث وأمر ووجه لهذا من خلال آيات كثيرة، أعلى فيها من قيمة العقل، كقوله -تعالى-:{أَفَلا تَعْقِلُونَ} (البقرة:44)، وقوله: {أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} (فاطر:50)، وقوله {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} (هود:30)، وقوله: {أَفَلا يَتَدَبَّرُون}(النساء:82)، فأمر بالتعقل والتذكر والتفكر والتدبر، وهذا كله خاصيته العقل، كذلك كرم النبي - صلى الله عليه وسلم - العقل، وجعله مناط التكليف؛ حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: «رُفِعَ الْقَلَم عَنْ ثَلَاثَة ومنهم عَنْ الْمَجْنُون حَتَّى يعقل» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني)، وذم الله المقلدين لآبائهم، وذلك حين ألغوا عقولهم وتنكروا لأحكامها: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}، وحرم الإسلام الاعتداء على العقل فحرم المسكر والمفتر، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة:90)، وعن عائشة -رضى الله عنها- قالت: «كان رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ينَهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ» (رواه النسائي وصححه الألباني).
النظر فى الكون الفسيح
وعند النظر في الكون الفسيح والشرع الحنيف تجد أشياء فوق إدراك العقل لا يستطيع أن يدركها وحده كالغيبيات؛ لهذا جاء الشرع ليدل العقل كيف يتعامل معها؟ وهذا ليس غريبًا! فهذا يحدث لنا في حياتنا مرارًا فإن الناس يؤمنون بأمور لا تدركها حواسهم ولا تحيط بها عقولهم، ومع ذلك يسلمون بها بوصفهاحقائق يقينية مع أنها فوق إدراك الحواس، فعلى سبيل المثال الجاذبية الأرضية تقبلها العقول وإن كانت لا تستطيع معرفة حقيقتها، والكهرباء عبارة عن انتقال الإلكترونات من القطب السالب للموجب لكن تعجز العقول عن معرفة كنه ذلك؛ لذلك نقول: إن العلاقة بين الدين والعقل علاقة تكاملية وليست تصادمية؛ فهناك أمور لا تدرك إلا بالعقل مع مكنون الفطرة في الإنسان، كإثبات وجود الله -سبحانه وتعالى- للمشرك.
أمور للدين لا يتدخل فيها العقل
وهناك أمور للدين لا يتدخل فيها العقل، كالأوامر والنواهي في الدين، مع السماح للعقل بالتفكر بعلّة الحكم، وهناك أمور مشتركة بين الطرفين كإثبات يوم القيامة والقبر عذابه ونعيمه، وسائر الغيبيات فيمكن أن يشتركا بإثبات هذه المسائل يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «العقل شرط في معرفة العلوم وكمال الأعمال وصلاحها، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلا بذلك، بل هو غريزة في النفس، وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار، وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها، وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورا حيوانية قد يكون فيها محبة ووجد وذوق كما قد يحصل للبهيمة، فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة والأقوال المخالفة للعقل باطلة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، لم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه، لكن المسرفين فيه قضوا بوجوب أشياء وجوازها وامتناعها لحجج عقلية بزعمهم اعتقدوها حقا وهي باطل، وعارضوا بها النبوات وما جاءت به، والمعرضون عنه صدقوا بأشياء باطلة ودخلوا فيأحوال وأعمال فاسدة وخرجوا عن التمييز الذي فضل الله به بني آدم على غيرهم».
الإسلام لا يفرض الجمود على العقل
وقال الدكتور عيسى عبده: إن الإسلام لا يفرض على القوة العاقلة في الإنسان حالة من الجمود والتعطيل، بل على العكس من ذلك، إنه يدعو إلى إعمال العقل؛ حيث ينبغي له أن يعمل، ومجاله واسع في هذا الوجود المشهود في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، وفيما خلق الله من شيء، أما أن يتطاول العقل ليحكم على القواعد الآمرة والناهية التي تحكم السلوك، أو يحاول أن يجيء من عنده بأسس نظرية يقيم عليها الحكم المعين، فإذا انهارت هذه الأسس بقي الحكم معلقاً حتى يصل العقل إلى غيرها، نقول: أما هذا الذي يطيب لبعض الباحثين فهو عندنا إثم كبير.
لا يمكن للدين والعقل أن يتعارضا
لذلك نقول: لا يمكن للدين والعقل أن يتعارضا؛ فالعقل ركبه الله فينا، والدين شرعه على لسان نبينا - صلى الله عليه وسلم -، فالمصدر واحد؛ فأنى يقع التعارض؟! ومن ظن غير ذلك فقد ظن عجزا، فإن الله -تعالى- أمرنا أن ننظرَ ونتفكر بعقولنا، فيما يدل على وجوده -تبارك وتعالى- ولَاحِظ أن هناك إجماعًا من كل الملل والنحل على الإقرار بوجود إله، ولكنهم اختلفوا في صفات هذا الإله، وعلاقته بالكون والحياة والإنسان، والشاهد أن هناك عاملًا مشتركًا بينهم جميعًا، هندوس، دروز، بهرة، عبدة فئران وجرذان، وغير ذلك، فقد اعترفوا بوجود إله، وإن كانت جميعها آلهة باطلة، ولذلك قالت الرسل لأقوامها {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ} (إبراهيم:10)، أي لا يوجد شك في وجوده -تبارك وتعالى-، لكن هذا هو الشاهد بخلاف هذه الثلة الشاذة التي تُنْكِرُ وجود إله.
الدلالة العقلية
إن الدلالة العقلية في الاستدلال بقضية الخلق على وجود الخالق -سبحانه وتعالى- هذا الذي خاطب به الله -عز وجل- الكفار حتى يثبت هذا الأمر؛ فعندما سمع جبير بن مطعم -رضي الله عنه- هذه الآية: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ} (الطور: ٣٥) قال: كاد قلبي أن يطير. يقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ} أي من غير رب، هذه الآية لما سَمِعَها جبير بن مطعم قال: كاد قلبي أن يطير، لماذا؟ للدلالة العجيبة الموجودة فيها، أم خلقوا من غير رب أم هم الخالقون؟! هم خُلقوا أم خَلقوا أنفسهم؟ لو قال الإنسان: إنه خلق نفسه فأين كان من مئة سنه؟! وأين كان أبوه وجده وجد جده، أين كانوا من ثلاث مئة أو أربع مئة سنة؟ وستظل هذه السلسلة إلى أن يصل إلى أن هناك خالقًا موجدًا لهذا الخلق، فلذلك قال جبير بن مطعم لما سمع هذه الآية: كاد قلبي أن يطير! جاء الاستدلال أشد {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ} (الطور: ٣٦). إذا كانوا عاجزين عن خلق أنفسهم، فالعجز عن خلق السماوات والأرض التي هي أكبر من خلق الإنسان أشد {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} (غافر: ٥٧) فنفى عنهم علم ذلك؛ لأن الله لم يشهد الناس خلق السماوات والأرض، قال -تعالى-: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ} (الكهف: ٥0) فَلِمَ يشهدنا الله-تعالى-على خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسنا، فكيف نعرف ذلك؟ لن نعرف ذلك إلا عن طريق الخالق الذي خلقنا. فكان الإعجاز الأشد: {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ} (الطور: ٣٦).
الآثار المحسوسة
فمن لم يُوقِن بهذا فلا سبيل إلى إِيقانه! حتى إن العلماء حينما كانوا يستدلون على وجود الخالق ويُسألون عن ذلك، كانت الإجابة سهلة يسيرة عن طريق أمر عقلي يدل على وجود خالق: {قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (العنكبوت:٢٠)، ومنها قصة الأعرابي الذي سُئِلَ عن وجود الخالق، كان الرد العقلي واضحًا جدًّا، قال: سبحان الله! إن البعر يدل على البعير، وإن الأثر لَيَدُلُّ على المسير، فأرض ذات فِجاج، وبحار ذات أمواج، وسماء ذات أبراج، ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير، فاستدل على وجود الله بآثار خلقه، هذه الأمور كيف وجدت بهذه الدقة وهذا النظام؟! بحار ذات أمواج، وسماء ذات أبراج، وأثر يدل على مسير، طالما يوجد أثر إذًا هناك مَنْ مَشَى، وطالما أن هناك بعرًا إذَاً هناك بعير، وطالما أن هناك خلقًا إذَا هناك خالق، فتلك قضية محسومة. والأئمة جميعا كأبي حنيفة والشافعي وأحمد جميعهم -رحمهم الله- استدلوا بما خلق الله -تعالى- على وجوده -تبارك وتعالى- بآثار محسوسة.
وجود الخالق -سبحانه وتعالى
وقد سُئِلَ الشافعي -رحمه الله تعالى- عن وجود الخالق -سبحانه وتعالى-، فقال هذا ورق التوت، طعمه واحد، تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم (الحرير)، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاء والبقر والأنعام فتلقيه بعرًا وروثًا، وتأكله الظباء فيخرج منه المسك، وهو شيء واحد!، وسُئِلَ الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- عن ذلك، فقال: ههنا حصن حصين أملس ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إِذِ انْصَدَعَ جداره فخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الديك، فالإمام أحمد كان يستدل بالبيضة، بيضة صماء شكلها من الخارج أبيض، ومن الداخل أصفر، يخرج منها بعد أسابيع أو أيام مخلوق صغير، كيف خرج هذا المخلوق إلا بتدبير من الخالق -سبحانه وتعالى-؟! فاستدل بوجود البيضة التي يخرج منها فرخ الدجاج على وجود الله -تعالى-، كذلك، كيف يخرج الحرير؟ ومن الذي علم أن هذا يخرج حريرًا، وهذا يخرج بعرًا؟ هذا كله يدل على وجود الله -سبحانه وتعالى.
لاتوجد تعليقات