تحذير منظمة الفاو يضع الأمة أمام خيارات صعبة- الأزمة الغذائية وتزايد معدلات الاستهلاك يلفان خاصرة العرب
تخوفت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة من تعرض الأمن الغذائي العالمي لتهديدات كثيرة بفعل التقلب الحاد في أسعار المواد الغذائية إلا أنها رغم هذا عملت على تبديد المخاوف بالقول ليس هناك مؤشرات على أزمة غذائية عالمية قريبة رغم تسجيل أسعار القمح ارتفاعًا بين 60 : 80٪ من يوليو الماضي، وتسجيل أسعار الشعير ارتفاعات مناسبة بلغت 40٪.
وعزت المنظمة الأزمة الحادة التي لحقت بأسعار الحبوب الغذائية إلى الفشل غير المتوقع للمحاصيل في بعض البلدان الرئيسية المصدرة وفي مقدمتها روسيا وما تلا ذلك من سياسات دولية وإقليمية غير موفقة ارتبطت بتكهنات عن علاقة وثيقة لما يحدث بالأسواق العالمية وليس لانخفاض العرض والطلب على الحبوب في العالم.
وأشارت توقعات المنظمة إلى أن إجمالي إنتاج الحبوب العالمي في عام 2010م بلغ حوالي 2.239 مليار جنيه، وهو ثالث أكبر رقم يسجل في إنتاج المحاصيل مشيرة إلى أن أسعار الحبوب الغذائية ما تزال أقل بمقدار الثلث عن أعلى معدل وصلت إليه في 2007، 2008م دون أن تتأثر جميع دول العالم من هذه الارتفاعات.
ولعل من يحلل بعناية أرقام المنظمة وتوقعاتها يجد أن الأمن الغذائي العالمي يتعرض لتهديدات كبيرة رغم إنكارها وجود أزمة ولا يشارك هذه المنظمة نبرتها التفاؤلية خصوصًا فيما يتعلق بالأوضاع في المنطقة العربية، وهي المنطقة التي تنفق على فاتورة استيراد المواد الغذائية سنويًا ما يقرب من 30 مليار دولار، وتتصدر دولة كبرى منه مثل مصر قوائم الدول الأكثر استيرادًا للقمح بل إن حديث المنظمة عن عدم تجاوز أسعار الحبوب لأعلى معدل لها لا يتوافق أبدًا مع ارتفاع أسعار هذه السلع ففي دول مثل مصر والمغرب واليمن سجلت أسعار الحبوب ارتفاعات كبيرة رصدتها تقارير رسمية دارت معظمها في فلك 30% زيادة في أسعار القمح وما يقرب من 40 ـ 170 دولار لطن الزيوت وكذلك شهدت أسعار السكر قفزة كبيرة متأثرة بأزمة الشحن العالمية التي تتعرض لها الهند والبرازيل، حيث سجل سعر طن السكر ارتفاع بما يقرب من 40 دولار وهو ما يتكرر فيما يتعلق بأسعار الألبان واللحوم.
إحداث طفرة
وزاد من حجم التوتر في المنطقة مطالبة (الفاو) للبلدان النامية والأكثر استيرادًا للحبوب بضرورة إحداث زيادة في مساحات الرقعة الزراعية إلى 120 مليون فدان خصوصًا أن هذه الدول ستجد صعوبة في تلبية احتياجاتها الغذائية بفعل مجموعة من الضغوط الكيميائية والفيزيائية والأمراض المتوطنة ونقص البنى التحتية للأراضي الزراعية الحالية، وهو ما يتطلب البحث عن أراضي جديدة للزراعة ولاسيما أن العالم سيشهد خلال الأعوام القادمة ارتفاعًا كبيرًا في الطلب على الحبوب سواء للغذاء البشري أم للعلف الحيواني قد يصل إلى 3 مليارات طن؛ مما يتطلب زيادة الإنتاج السنوي من الحبوب بنحو مليار طن فضلاً عن ضرورة ارتفاع إنتاج اللحوم بأكثر من 30%.
ولعل أرقام (الفاو) وتوقعاتها تشير إلى حجم التحديات التي تواجه قدرة الدول العربية في تأمين احتياجاته الغذائية ولاسيما أن دول عربية عديدة تواجه مشكلات كبيرة في توفير مساحات شاسعة من الأراضي اللازمة للزراعة المشكلة نفسها في توفير الكميات اللازمة من المياه لاسيما أن أغلب الأنهار التي توفر المياه لمعظم الدول العربية يأتي منبعها من أراضي غير عربية وفي مقدمة هذه الدول مصر وسوريا والعراق، وهو ما يهدد قدرة هذه الدول على إحداث طفرة في إنتاجها من السلع الغذائية.
ويزيد من صعوبة الأمر أن دول منطقة الخليج العربي لا تمتلك كميات من المياه اللازمة لزراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز والذرة وغيرها وهو ما اضطر هذه الدول للتفكير بجدية في البحث عن مناطق أخرى تتوفر فيما كميات المياه بكثرة والأراضي الخصبة اللازمة لزراعة هذه المحاصيل بل إن هذه الدول أعلنت عام 2008م في ذروة الأزمة الغذائية العالمية اتفاقها مع السودان وأوغندا على تأجير مساحات شاسعة من الأراضي لها لزراعتها ولكن يبدو أن تعقيدات سياسية ومالية وتقنية حالت حتى الآن دون أن يرى مثل هذه المشروعات النور أو أن تبدأ في الإنتاج بشكل جدي تقلل من الفاتورة الغذائية التي تدفعها البلدان العربية لتأمين احتياجاتها الغذائية من المحاصيل الرئيسة مثل القمح والأرز والذرة.
«صناديق القمامة
ولعل من رأى تقرير مجلس الوحدة الاقتصادية العربية يتحدث عن حجم فاتورة الغذاء العربية يندهش من أن الدول العربية من المحيط للخليج تستورد سنويًا كميات كبيرة من الأرز تصل قيمتها إلى أكثر من 4.7 مليار دولار، ومع هذا فإن استهلاك هذه البلدان لا يزيد عن نصف الكمية المستوردة التي تكلف ميزان المدفوعات هذا المبلغ الكبير فيما يذهب النصف الآخر من هذه الكمية إلى صناديق القمامة، وهو ما يشير إلى أن السنوات القادمة ستشهد مزيدًا من ارتفاع فاتورة الغذاء داخل الدول العربية ولاسيما أن تزايد الاحتياج للخارج في تدبير الواردات الخارجية تتصاعد وتيرته في ضوء تزايد عدد سكان المنطقة وعدم تواكبها مع مشاريع تنموية وإنتاجية تستطيع تحقيق ولو قدر قليل من الاكتفاء الذاتي بل على الأقل تدبير نصف هذه الاحتياجات من موارده الدائمة.
ويصعد من حجم المشكلة كما يؤكد الدكتور محمود توفيق شرباص أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة عين شمس أن المراهنة على مشروعات في الخارج لسد الاحتياجات الغذائية وتأجير أراضي في دول مثل السودان وأوغندا يبقى خيارًا ثانيًا وليس أساسيًا، فالمراهنة يجب أن تكون في البداية على الإمكانيات الذاتية ودولنا العربية بها إمكانيات علمية وتقنية ولوجيسيتة تسمح لها بسد جزء كبير من احتياجاتها، فمثلاً السودان يمكن أن تكون سلة غذاء العالم العربي لو امتلكت الحكومات العربية إدارة سياسية ولكن يبدو أن حجم الضغوط المتزايد على الدول العربية من جهة عدم تحقيق الاكتفاء الذاتي كبيرة لدرجة أن مشاريع قومية كانت مخصصة لتقليل اعتماد بعض الدول في احتياجاتها الغذائية قد توقفت وأقيل وزراء زراعة عديدون من مناصبهم لا لشيء إلا لوقف هذه المشاريع.
ولفت د. شرباص إلى أن الاعتماد على تأجير المشاريع خارج بلدان العالم العربي سيجعل هذه الدول أسيرة لأي خلافات سياسية أو ضغوط دولية وهو ما يضع في الاعتبار أهمية التركيز على الداخل لحل مشكلة الاحتياجات الغذائية.
وقلل أستاذ الاقتصاد الزراعي من أهمية التقارير التي تتحدث عن تزايد حجم الإنتاج للسلع الغذائية في العالم العربي مشيرًا إلى أن هذه الزيادة طفيفة للغاية ولا يراهن عليها بأي حال من الأحوال لحل هذه الأزمة أو تقليل الضغط على ميزان المدفوعات.
وإذا كانت الدول العربية وبحسب د. شرباص لم تنجح في إحداث طفرة فيما يتعلق باحتياجاتها الغذائية فإن الأزمة تزداد اشتعالاً مع تنامي الاستهلاك وتزايده بشراهة في بلدان المنطقة؛ حيث دللت تقارير عدة متطابقة على أن الدول العربية تعد الأكثر استهلاكًا في العالم ولاسيما على الصعيد الغذائي من حيث استهلاك القمح والأرز حيث تستورد هذه الدول ما يقرب من 30 مليار دولار من احتياجاتها الغذائية تذهب ما يقرب من 25% منها لغير الغرض المخصصة له بل إلى صناديق القمامة نتيجة عدم الترشيد في استخدامها وهو ما يتكرر فيما يتعلق باستهلاك اللحوم حيث يزيد استهلاك المنطقة منها ما يقرب من 15% بالمقارنة بالمعدلات العالمية.
الأكثر استهلاكًا
بل إن دراسة حديثة عن المركز العربي للدراسات الاقتصادية عدّت المواطن العربي من أكثر الشرائح استهلاكًا في العالم للعطور ومستحضرات التجميل لدرجة أنها قدرت استهلاكه بما يزيد على 335 دولار سنويًا فيما يتعلق بالعطور فقط. وهو ما يتكرر لدى استهلاكه للملابس؛ حيث يلجأ المواطن العربي إلى شراء كميات كبيرة من الملابس وبشكل لا يتناسب مع احتياجاته وهو ما عزته إلى عوامل اجتماعية ووجود ثقافة التفاخر من وراء اقتناء الملابس والساعات والإكسسوارات وغيرها الذي يشكل عامل ضغط على ميزان المدفوعات في العالم العربي.
بل إن دراسة المركز ربطت بين تزايد نزعة الاستهلاك وبين انتشار الفقر فقد تلجأ الأسر للاقتراض لتأمين احتياجاتها، وهو ما يمثل عامل ضغط على الاقتصاد القومي عموماً، محذرة من أن تزايد نمط الاستهلاك يزيد الأغنياء غنى والفقراء فقرًا.
غياب الإدخار
ويزيد معدل الادخار من خطورة تنامي ظاهرة الاستهلاك وينعكس بالسلب على انخفاض معدل الإدخار في البلدان العربية؛ حيث يبلغ المتوسط السنوي للادخار في العالم إلى 21% ويزيد على 39% في دون جنوب شرق آسيا لا يتعدى نسبة 18% في الدول العربية، وهو ما يحمل تأثيرات سلبية على مناخ الاستثمار حيث لا تجد الدولة أو الأشخاص أموالاً لضخها في مشروعات جديدة بسبب ضغط الاستهلاك على ميزان المدفوعات.
بل أن المخاطر تزداد حين نعلم أن هناك لوبيات منظمة سعت خلال السنوات الأخيرة لتكريس ثقافة الاستهلاك حيث استخدمت هذه الجهات الفضائيات ووسائل الإعلام لإيجاد ما يمكن أن يطلق عليه الشره الاستهلاكي وإيجاد نزعة لامتلاك كل ما هو معروض وهو ما ظهر من خلال حرص المواطن العربي على إنفاق مليارات الدولارات على شرا أحدث الموديلات من السيارات والهواتف النقالة رغم صعوبة الأوضاع الاقتصادية في المنطقة لاسيما خلال السنوات الماضية.
مصالح غربية
من جهته يرى د. حمدي عبد العظيم العميد السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية أن تنامي ثقافة الاستهلاك داخل العالم العربي لا تصب بأي شكل في مصلحة الأمة بل تجني القوى الرأسمالية المنافع من وراء هذه القيمة خصوصًا أن القوى الأكثر إنتاجًا واستفادة من الاستهلاك المتنامي لمنتجاتها مؤكداً أن هذا الإنفاق يعدّ صورة من صور هدر الإمكانات الاقتصادية وإبقاء الأمة أسيرة الفقر والتخلف ومحطة فقط لتصريف منتجات الغرب.
أن الاستهلاك يشكل وبالاً على المجتمع العربي ولاسيما أنه قد تحول إلى ثقافة لا تجد من يتصدى لها أو تقف في وجهها عبر تكريس قيم الاعتدال وترشيد الاستهلاك لتتراجع إلى الحد الأدنى مشيرًا إلى أن الاعتدال في الاستهلاك سيوفر لنا فرصًا للاستثمار وتحسين الأوضاع الاقتصادية والعمل على تأمين إنتاج من مأكل وملبس لافتًا إلى أهمية تكريس ثقافة الاعتدال في مناهجنا ومؤسساتنا الإعلامية والتعليمية.
ونبه د. عبد العظيم إلى أن خطورة ثقافة الاستهلاك تعمل على تفكيك الاقتصاديات الوطنية للأمة العربية وإبقاء المستهلك أسيرًا لدائرة الاستهلاك دون أن يستطيع تملك إرادة قوية للعمل والإنتاج.
إخوان الشياطين
وفي الإطار نفسه يرى د. أحمد يوسف سليمان أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة أن القرآن الكريم والسنة النبوية قدمت حلولاً لمشكلة الاستهلاك فقد قال القرآن {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا}، وتابع الحديث النبوي «ما ملأ ابن آدم وعاءً شراً من بطنه.بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه،فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه»، فالقرآن والسنة استشعرا بخطورة هذا المسلك حين وصف القرآن المبذرين بأنهم إخوان الشياطين، مشددًا على أهمية دور العلماء في التصدي لهذه المشكلة الخطيرة وتكريس ثقافة الاعتدال والبعد عن الإسراف وهو أمر ينبغي غرسه في الأطفال منذ نعومة أظافرهم وتعديل مسار أجهزة الإعلام المسؤولية بشكل كبير عن تفشي هذا الوباء.
لاتوجد تعليقات