المسجد الأقصى المفترى عليه (2)
ما زال الحديث مستمرا في الرد على الشبهات التي أثيرت حول المسجد الأقصى وبيت المقدس، وقد تمثلت في عدد من الكتابات والمقاطع المرئية لمن أسموهم بالأدباء والكتّاب والفلاسفة!؛ حيث أشاعوا أنَّ المسجد الأقصى ليس هو مسجد القدس، وأنه مسجد في الطائف، وأنَّ مسرى النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إليه، وأن ليس للمسجد الأقصى في القدس أي فضل عن بقية المساجد، وأن المسلمين خدعوا بإعطاء القداسة لمسجد القدس على مر العهود والأزمان، وغيرها من الأكاذيب والافتراءات.
قدسية قديمة
ونقول: إنَّ المسجد الأقصى قدسيته قديمة؛ فهـو ثـاني المساجد وضعًا في الأرض بعد المسجد الحـرام، فعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟ قال: المسجد الحرام. قال: قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى قلت: كم كان بينهما؟ قال أربعون سنة، ثم أينما أدركتك الصلاة بعدُ فصله، فإنَّ الفضل فيه».
أول قبلة للمسلمين
وكيف تكون مكانته حديثة وهو أول قبلة للمسلمين؟! أخرج البخاري ومسلم بالسند إلى البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: «صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، ثم صرفنا إلى القبلة»، وتحويل القبلة لم يلغ مكانته، بل بقيت مكانته عظيمة في قلوب المسلمين وفي الشرع الإسلامي.
بشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بفتحه
وبَشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بفتحه قبل أن يفتح، وتلك البشرى من أعلام النبوة، عن عوف بن مالك - رضي الله عنه - قال: «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك وهو في قبة من أَدم، فقال اعدد ستًا بين يدي الساعة:-ذكر منها-، ثم فتح بيت المقدس ».
زيارة المسجد الأقصى
وأجمع أهل العلم على استحباب زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه، وأنَّ الرحال لا تشد إلا إلى ثلاثة مساجد، منها المسجد الأقصى، وتلك المساجد الثلاثة لها الفضل على غيرها من المساجد؛ فقد ثبت في الصحيحين من رواية أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا»، قال النووي -رحمه الله- في شرحه على مسلم: «وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد الثلاثة، وفضيلة شد الرحال إليها؛ لأن معناه عند جمهور العلماء: لا فضيلة في شد الرحال إلى مسجد غيرها».
اهتمام سلفنا الصالح
وكل تلك المزاعم تنشر على الرغم من اهتمام سلفنا الصالح من علمائنا الأعلام بالمسجد الأقصى والأرض المباركة؛ فمؤلفاتهم ومصنفاتهم التي صنفت في فضائل بيت المقدس والمسجد الأقصى، والحض على شد الرحال إليه، وذكر ما جاء في فضائله في كتاب الله -تعالى- وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كانت وما زالت موضع اهتمام علماء المسلمين إلى وقتنا الحاضر، وما كتبه علماء المسلمين في فضائله في القرون الأولى، وما تلاها لَدَلالةٌ عظيمةٌ على مكانته، وما زالت إلى اليوم تدّرس وتحقق تلك المخطوطات التي جرى عليها من الدراسات الإسلامية والدراسات العلمية الأخرى ذات الصبغة العالمية، ما لم يجرِ لأيةِ بقعة إسلامية أخرى.
أسئلة مهمة
من هنا نقول هذه أسئلة مهمة فليجيبوا عنها:
- لو افترضنا أن المسجد الأقصى غير محتل، فهل سيقول هؤلاء تلك الآراء، والنتائج التي توصلوا إليها؟
- ولماذا يريدون في النهاية أن يقنعوا العرب والمسلمين بأن الخلاف لا يتعلق بشيء مقدس؟
- ولماذا لا يتصدون للأكاذيب التي تدعي بأن للمحتل حقا دينيا في القدس أو حقا تاريخيا أو أنها أرض بلا شعب، وأنها أرض الميعاد، وأنهم حولوا الصحراء إلى جنان، ويقصدون بذلك فلسطين، أو أنهم أخذوا فلسطين بيعاً من أهلها! وغيرها الكثير والكثير من تلك الأكاذيب؟
- ولماذا هذا النشاط بين حين وآخر في الصحافة العربية خصوصا؟ ولماذا أرادوا إضعاف الثوابت والمحبة للقدس والمسجد الأقصى في قلوب ذلك الشعب المسلم، الذي لا نشك في ولائه لقضايا المسلمين وفي مقدمتها قضية فلسطين والمسجد الأقصى المبارك؟
- ولماذا اختاروا هذا الوقت بالذات لنزع القداسة والمكانة عن القدس؟ وهل هؤلاء مؤرخون عرب جدد أرادوا أن يسيروا على نمط المؤرخين الغربيين الجدد الذين عملوا على إيجاد تاريخ جديد، ظنًا منهم أن ذلك يُسهم في التعايش على أرض فلسطين في ظل الاحتلال وممارساته العدوانية على أرض فلسطين؟
- وهل تلك دعوة لنغيّر ونحدِّث تاريخنا ومناهجنا في مدارسنا لتتوافق مع ما يطالب به زمرة المرددين والمشككين؟
- وهذا الهراء الذي يقوله أمثال هؤلاء هل تقبلته الجهات العلمية المعتمدة في مجامعنا العلمية والفقهية، وجامعاتنا ومراكز بحوثنا، ومؤسساتنا العلمية وعلماء أمتنا؟
- ومن المستفيد في النهاية من تلك الشبهات والأكاذيب التي ينطقها ويكررها من أسموهم الأدباء والمفكرين والفلاسفة من العرب، ليصل الفحش إلى أن يكتب أحدهم: لا أعلم دليلاً من كتاب الله أو سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - يؤكد ضرورة امتلاك العرب القدس؟!
- ولماذا تلك الكتابات والأقوال موضع اهتمام من إعلام المحتل، تُسلَّط عليه الأضواء، ويُمدح أصحابه وتفتح لهم القنوات والفضائيات، وتعقد الندوات لإبراز آرائهم؟
امتداد لمقولات تشويه فلسطين
ما يُقال ويكتب الآن هو امتداد للمقولات والشبهات والأكاذيب التي ترادفت مع مشروع إقامة وطن قومي لليهود؛ حيث أسهمت في تشويه صورة الفلسطينيين أمام امتدادهم العربي والإسلامي حتى لا يتعاطفوا معهم، أو يساندوهم في استرداد أرضهم المسلوبة، وليُفقِدوا الشعوب العربية والإسلامية الحماس لنصرة فلسطين وأهلها.
مكر وخداع
وما نعيشه اليوم هو نتيجة للمكر الذي أريد للشعوب العربية أن تشتغل ببعضها، وأن تفقد مصداقيتها، وأن تشكك في ثوابتها بنفسها؛ فقد جنّد اليهود أناسًا من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ويتسمون بأسماء المسلمين وعملهم الدؤوب النخر في جسد الأمة، وتبني أدوات أعداء الأمة لضرب أمتنا من الداخل، هذه الطائفة - ولله الحمد والمنة - فئة قليلة ولكنها دعمت لتكتب وتتكلم فكشّروا عن أنيابهم وأظهروا عداءهم.
فئة لا مثيل لها في التاريخ
فنحن أمام فئة من الناس لا مثيل لها في كل مراحل التاريخ؛ فهؤلاء أناس تنكروا لأمتهم وأوطانهم، ووقفوا مع أعداء الأمة المحتلين لأرضهم ومقدساتهم، والمحتلون -في نظرهم- هم الشرفاء! ومع ذلك نحن على يقين أن صوت هؤلاء وظهورهم يختفي حين تكون الأمة في قوتها ومكانتها التي كانت عليها، وظهورهم مرهون بضعف الأمة وتكالب أعدائها عليها، وهذا هو حال المخذلين منذ عهد النبوة إلى قيام الساعة.
لاتوجد تعليقات