رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: رجب أبو بسيسة 20 أغسطس، 2017 0 تعليق

الطاعة والعبادة من أهم القضايا التي يُبنى عليها صلاح الشباب واستقامتهم (2-2)

  عمارة هذه الدنيا والعمل على إصلاح المجتمع؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل»، فلا بد أن نبني في الشاب قاعدة: (أنا لمجتمعي ومجتمعي لي)، ونقول له: يجب أن نعمل ونقاوم جميعا ونتصدى للتحديات والعقبات التي تواجهنا حتى نستطيع أن ننفع أمتنا ومجتمعنا في هذه الدنيا.

      وما أرقى صنيع يوسف -عليه السلام-، في هذا الباب!  فالبرغم من الظلم والسجن الذي حدث له إلا أنه لم يتأخر في تأويل الرؤيا وتقديم النصيحة لأفراد المجتمع، بل وعرض المساهمة في بناء المجتمع والمحافظة عليه، فقال للملك: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (يوسف:55)، إنها نفوس تربت على حب الخير للمجتمع، فقام بالدعوة والإصلاح ولا يهمه إلا أن يرضى الله عنه، فينبغي أن تقوم تربية الشباب على مثل هذه المعاني.

 

- طاعة الله -عز وجل- وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، واحترام أهل العلم، هذه هي الأسس الثلاثة التي يجب أن يقوم عليها إيمان الشاب واجتهاده في الطاعة والدعوة إلى الله.

     فلابد -أيها المربي- أن تربي الطالب على اتباع الدليل، قال ابن القيم -رحمه الله-: «كان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: من فارق الدليل ضل السبيل»؛ لذلك عندما يدرس المعلم للطالب لابد أن يستعرض الدليل ويربيه على قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم .

     ويجب على المربي كذلك يأن يربي شبابه على احترام أهل العلم؛ لأننا نعيش في زمان اضطربت فيه الأفكار، وماجت المناهج، واختلط الحابل بالنابل، وانتشر الطعن في العلماء، المعتبرين؛ فالعلماء هم ملح البلد، وهناك من المغرضين من اتخذ الطعن فيهم سبيلا للطعن في الدين، ونحن نقول: إن العلماء ليسوا معصومين، ولكن يجب تقديرهم واحترامهم؛ لأنهم حملة الدين، وهذه شهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم  لهم؛ حيث قال: «إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر»، وقال سعيد بن المسيب: «إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه» ثم قال: «من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله».

كما أنه مما ينبغي أن يدركه المربي أن يربط الطلبة بالمنهج لا بالأشخاص، مع التأكيد على حب الطلبة وتقديرهم والسماع لهم، لكن يلزم أن يكون تعلقهم بالمنهج؛ فهذا هو الأنفع لهم والأبلغ في النصح.

وهذا معنى دقيق يحتاج منك أيها المربي يقظة وتركيزا؛ لأن الخلط فيه كبير جدا، والناس فيه طرفان ووسط.

فمنهم من غالى؛ فجعل للعلماء منزلة فوق الدليل، ومنهم من جافى؛ فجعل العلماء لا قدر لهم ولا قيمة؛ فالمعنى المراد غرسه هو ما يقع بين هذين الطرفين فانتبه!

     وعلى المربي أن يحذر الطلبة من قطاع الطريق الجدد ومن يقومون بالبلطجة الفكرية؛ فيصغرون الكبير ويكبرون الصغير، ويهدمون الرموز وأصحاب الأيادي البيض؛ فيطعنون في العلماء ويسعون لبناء مجد خاص بهم على أنقاض ما هدموه، وهم في ذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعا! قال -تعالى-: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} (فاطر:8)، فهؤلاء أخطر ما يكون على شبابنا وأجيال المستقبل.

     أنت أيها المعلم؛ لابد أن تحترم السابقين لك في العمل الدعوي والمجال التربوي، وأن تقدر لهم سبقهم حتى ولو لم يفتح عليهم بجوانب فتح الله عليك بها؛ فما أنت إلا ثمرة من ثمرات عملهم وبذلهم وتضحياتهم، والبادئ بالبر لا يكافأ؛ فجزاهم الله خيرا، قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} (الحشر:10).

- قضايانا لا ينصرها سوانا؛ فقضايا أمة الإسلام لن يدافع عنها إلا أبناؤها وحماية مقدساتها لن يقوم بها إلا شبابها، وهذا من أهم المعاني التي ينبغي أن نهتم بغرسها في نفوس الشباب، ولاسيما أن الباطل يحاول بكل ما أوتي من قوة تغييب شبابنا وأبنائنا عن هذه القضايا مستخدما في ذلك أذنابه، وأعوانه وإعلامه.

     فمن المهم الآن ألا تموت هذه القضايا في نفوس الناشئة، وهذا يستلزم من المربي تعريفهم قضايا أمتهم، وأسباب ضياعها، وكيف نعمل في اتجاه عودتها؟! ودعونا نعترف أن هذه الجزئية أُهملت في الكثير من المحاضن التربوية، ولم تأخذ قدرها الوافي والاهتمام الذي يليق بها.

وهذا يدفعنا دفعا للكلام مع الأجيال أن للنصر سننا إلهية لا تتبدل ولا تتحول: {ولن تجد لسنة الله تحويلا} (فاطر:43)، فلابد من الأخذ بها لكي تعود أمتنا وندافع عن مقدساتنا.

أما فكرة انتظار البطل القادم والتفكير بعقلية أن مشكلاتنا سببها من قبلنا وسيحلها من بعدنا، ونحن نعيش هكذا بلا قضية ولا دور؛ فهذا من الخلل الواضح والبين، فقضايانا لن يحلها سوانا والواقع يشهد.

انتبه -بارك الله فيك-؛ فدورك في هذا الجانب كبير ومهمتك ضخمة؛ فنحن نحتاج منك أن تعد لنا جيلا يعتز بهويته، وينشغل بقضايا أمته، ويدافع عن مقدساته؛ فاستعن بالله ولا تعجز.

- إن العمل للدين قرين الانتساب إليه كما يقول دائما شيخنا الوالد شريف الهواري -حفظه الله-، فلابد أن يتربى الشباب منذ اللحظات الأولى على أهمية العمل للدين، وأن من معاني الانتساب للإسلام الدعوة إليه، وأن يتربى على قول الله -تعالى-: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (فصلت:33)، {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} (يوسف:108)، قال ابن القيم -رحمه الله-: «وتبليغ سنته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو؛ لأن ذلك التبليغ يفعله كثير من الناس وأما تبليغ السنن فلا تقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم في أممهم..»؛ فعلمهم أيها المربي العمل للدين حتى آخر الأنفاس، بل الحياة السليمة العامرة المثمرة، حياة الأنبياء والعلماء، والعظماء.

قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: «من عاش لدينه عاش كبيرا وسيموت كبيرا».

     اغرس في نفوسهم أن لكل شيء ثمن والأمة ضعيفة اليوم، فما الذي سنقدمه نحن لتعود أمتنا وتنتصر؟! وهذا من شأنه يولد عندهم روح تحمل المسؤولية تجاه قضايا الأمة وعدم الغفلة عنها، وعلمهم أيضا أن العمل على تقوية الأمة في مراحل ضعفها عبادة من أعظم العبادة.

اغرس في نفس الشاب أن العمل للدين دليل انتماء وصدق محبة لله -عز وجل-، ولا بد أن يظهر عليك دليل محبتك وصدق دعوتك في كل شؤون حياتك، وليس مجرد ادعاء.

إن كنت تنوح يا حمام البان

                                       للبين، فأين شاهد الأحزان؟

أجفانك للدموع أم أجفاني

                                       لا يقبل مدع بلا برهان

- الاهتماما بالدعاء والتضرع وطلب التوفيق من الله والإلحاح عليه خصوصا ونحن نعيش في زمن طغت فيه النظرة المادية، وغلب عليه طلب الحلول السريعة الوقتية، وأصبحت الحلول الإيمانية كالدعاء والتضرع وما شابه ذلك بعيدة عن أذهان كثير من الشباب إلا من رحم الله؛ فبعضهم إذا قلت له عليك بالدعاء يظن أنك تقول ليس لمشكلتك حل؛ فلذلك نقول: علمه حقيقة الدعاء، وعوده على الصبر وعدم الاستعجال حتى لا يقول قائل: «دعوتُ فلم يستجب لي»، وانظر إلى فقه السلف -رضوان الله عليهم- في هذا الباب؛ فهذا عمر -رضي الله عنه - يقول: «إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه».

اغرس في نفس الطالب هذه الأمور:

- بالدعاء ينصلح أمرك.

- بالدعاء تتخلص من آفاتك.

- بالدعاء تنال الرضا والسكينة.

- بالدعاء تحقق أهدافك، قال -تعالى-: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} (غافر:60).

- بالدعاء تحقق العبودية، قال -صلى الله عليه وسلم -: «الدعاء هو العبادة».

- نحتاج غرس هذه المعاني في نفوس الطلبة، وإياك أن تظن أنها صعبة عليهم! فقد كان هذا الفعل -أعني غرس هذه المعاني- هو ديدن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - مع الصحابة، خصوصا الشباب منهم، كابن عمر وابن مسعود وعلي ومعاذ وأنس وأسامة وغيرهم -رضي الله عنهم أجمعين.

     ورغم أنهم كانوا شبابا صغارا إلا أنهم كانوا يعون هذه التوجيهات جيدا، وانظر على سبيل المثال كيف علم النبي -صلى الله عليه وسلم - عبدالله بن عباس وهو غلام صغير دعاء يحمل جل معاني العقيدة الإسلامية؟! فقال: «يا غلام، إني أعلمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف»؛ فانظر إلى مدى حرص النبي -صلى الله عليه وسلم - على غرس مثل هذه المعاني في الشباب الصغار، ثم انظر كيف أصبح ابن عباس -رضي الله عنهما- في حياته العلمية والعملية بعد سماعه هذا التوجيه وغيره من معلم البشرية عليه الصلاة والسلام. هكذا فليكن المربي والمتربي.

وأخيرا:

هذه المعاني تُغرس في نفوس الشباب عن طريق القصة المشوقة، والمثال الواقعي، والحوار الخاص، والنصيحة المباشرة، والمواقف المفتعلة، والقدوة العملية وغيرها من الوسائل المتنوعة.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك