رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. عاطف إبراهيم 5 يناير، 2021 0 تعليق

الاستقامة: مفهومها .. أسبابها .. وسائلها – الاستقامة تشمل الدين كله ويدخل فيها جميع أعمال المكلفين

 

في الطريق إلى الاستقامة، جاء التوجيه النبوي الشريف للمؤمنين في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لمرضك»، وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يقول: «إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح»، فلابد للإنسان أن يتذكر دوما لماذا خُلق في هذه الحياة الدنيا؟ وعلى أية حال ينبغي أن يكون فيها؟ لذلك تأتي هذه السلسلة من المقالات للوقوف على مفهوم الاستقامة وأسبابها ووسائل الثبات عليها.

تعريف الاستقامة

- قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «الاستقامة ضد الطغيان، وهو مجاوزة الحدود في كل شيء، وسئل صديق الأمة وأعظمها استقامة أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - عن الاستقامة فقال: ألا تشرك بالله شيئا، يريد الاستقامة على محض التوحيد، وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب، وقال عثمان بن عفان - رضي الله عنه - : استقاموا: أخلصوا العمل لله، وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وابن عباس -رضي الله عنهما-: استقاموا أدوا الفرائض.

- وقال مجاهد: استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله، وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: استقاموا على محبته وعبوديته؛ فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة.

 فالاستقامة: كلمة جامعة آخذة بمجامع الدين، وهي: القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق، والوفاء بالعهد، والاستقامة تتعلق بالأقوال، والأفعال، والأحوال، والنيات؛ فالاستقامة فيها: وقوعها لله، وبالله، وعلى أمر الله.

خلاصة القول في التعريف بالاستقامة، أن معناها دائر حول الثبات على الحق والهدى، والاعتدال في الأقوال والأعمال، ولزوم جانب العدل، والصواب.

الاستقامة تشمل الدين كله

- ومن تأمل هذه الأقوال سيجد الاستقامة مصطلحاً يشمل الدين كله، ويُدْخل جميع أعمال المكلفين تحت لوائها، ومنها ما يلي:

أولاً: الإيمان الصادق

- الإيمان الصادق بالله -عز وجل-، هو أساس الاستقامة وعمود فسطاطها، يقول -سبحانه-: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، فسبيل النجاة أساسه الإيمان الصادق، والعمل الصالح، وينتفع العبد بكل ذلك حين يتحقق بقوله -سبحانه-: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} وهو لُبُّ الاستقامة، والمعنى الأكيد الواضح، والأقرب إليها.

ثانياً: اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم 

- لا تستوي الاستقامة على سوقها إلا بــاتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -، والتمسك بسنته، والاقتداء به في جميع أقواله وأعماله وأحواله - صلى الله عليه وسلم -، فمن اتبع سنته، واقتفى سيرته، تحققت فيه الاستقامة بكل معانيها.

ثالثاً: أداء الواجبات وترك المحرمات

- أداء الواجبات وترك المحرمات، قال الله -تعالى- في الحديث القدسي المشهور: «وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحبُّ إليَّ مما افترضته عليه» الحديث، وفعل الواجبات أفضل من ترك المحرمات.

رابعاً: الإكثار من النوافل والقربات

- يلحق أداء الواجبات وترك المحرمات الإكثار من النوافل والقربات، وهو ما جاء في الحديث القدسي السابق: «ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به» الحديث.

خامساً: تجنب الشبهات

- من دلائل الاستقامة تجنب الشبهات، والمكروهات، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه».

سادساً: مجاهدة النفس والشيطان والهوى

      المجاهدة للنفس والشيطان والهوى، وتقديم كل ما أمر الشرع به، والتطلع إلى معالي الأمور والدرجات، وقد قال -سبحانه- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} ( الحج / 77 و 78 ).

سابعاً: المداومة على فعل الخيرات

- المداومة على فعل الخيرات من علامات التوفيق، والهداية إلى طريق الرشاد، والفوز بمحبة الله، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «أحب العمل إلى الله أدومه وإن قَلَّ» البخاري، ووصفت أمنا عائشة -رضي الله عنها- عمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كان عمله ديمة» وهذه المداومة، والثبات على الخير، أجلى وأنصع صور الاستقامة، التي يحبها الله، ويرضاها لعباده.

الاستقامة في القرآن الكريم

- أبان القرآن الكريم عن أمْر الاستقامة، عن معناها، وأساسها، وما رتب عليها من نتيجة، وعاقبة حسنة لأهل الإيمان في الدنيا والآخرة، ولفظ (الاستقامة) من ألفاظ القرآن الكريم الجامعة، فهو من جوامع الكلم، كألفاظ الإسلام والإيمان والبر والتقوى، التي تشتمل على جميع معاني الدين من لزوم المعتقد الصحيح، وفعل المأمور وترك المحظور، والتحلي بمكارم الأخلاق ومحاسنها في جميع الأمور.

وقد وردت مشتقات لفظ (الاستقامة) في القرآن الكريم في ستة وأربعين موضعا منها:

- تسعة مواضع في صيغة الفعل، مثل قوله -تعالى-: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} (التوبة/7)، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (فصلت/30).

- سبعة وثلاثون موضعاً وصفاً؛ أربعة وثلاثون لـ (الصراط)، وموضعان وصفاً لـ (القسطاس)، وموضع واحد وصفاً لـ(الهدى) من ذلك قوله -تعالى-: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم} (الفاتحة/6)، وقوله -تعالى-: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (البقرة/142).

موضوعات الاستقامة في القرآن الكريم

عالج القرآن الكريم موضوع الاستقامة من خلال معانٍ وموضوعات متعددة، نذكر منها ما يلي:

الأول: العدالة الإلهية والحكمة الربانية

- «الله -تعالى- متصف بغاية الكمال، والحمد؛ فإن أمره بالعدل وهو الحق يتضمن أنه -سبحانه- عالم به، مُعَلِّم له، راض به، آمر لعباده به، محب لأهله، لا يأمر بسواه، بل تنزه عن ضده الذي هو الجور، والظلم، والباطل، بل أمره وشرعه عدل كله، وأهل العدل هم أولياؤه وأحباؤه»، يقول الله -تعالى- على لسان هود -على نبينا و صلى الله عليه وسلم -: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (هود/56)، هكذا جهر بها هود بين أظهرهم «إن ربي على طريق الحق، يجازي المحسن من خلقه بإحسانه، والمسيء بإساءته، لا يظلم أحدًا منهم شيئًا، ولا يقبل منهم إلا الإسلام، والإيمان به»، فالله جل ثناؤه وإن كان يقدر على كل شيء؛ فإنه لا يأخذهم إلا بالحق. وقيل: معناه لا خلل في تدبيره، ولا تفاوت في خلقه -سبحانه».

لا يستويان

ومثلها في المعنى قول الحق -تعالى-: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (النحل/76).

     وهذا «مثل ضربه الله -سبحانه وتعالى- لنفسه، ولما يعبدون من دونه أيضاً؛ فالصنم الذي يعبد من دونه، بمنزلة رجل أبكم، لا يعقل، ولا ينطق، عاجز لا يقدر على شيء نافع؛ فأينما أرسلته لا يأتيك بخير، ولا يقضي لك حاجة، فهل يستوي هذا - والسؤال للتوبيخ والإنكار - هل يستوي مع الله -سبحانه-، وهو الحيّ، القادر، المتكلم، يأمر بالعدل، وهو مع أمره بالعدل، على طريق من الحقّ في دعائه إلى العدل، وأمره به مستقيم، لا يَعْوَجّ عن الحقّ، ولا يزول عنه، فلا يقضي على العبد بما يكون ظالماً به، ولا يؤخذ بغير ذنبه، ولا ينقصه من حسناته شيئاً، ولا يحمل عليه من سيئات غيره، التي لم يعملها، ولا يؤاخِذ أحداً بذنب غيره، ولا يفعل قط ما لا يحمد عليه، ولايثنى به عليه، ويكون له فيه العواقب الحميدة، والغايات المطلوبة؛ فإن كونه على صراط مستقيم يأبى ذلك كله».

- ومن هذا قول الله -تعالى رداً على تحدي إبليس بإغواء بني آدم-: {قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ} (الحجر41)، و{عليَّ} هنا بمعنى: إليَّ، فكان معنى الكلام: هذا طريق مقابل لطريق إبليس وحزبه، مرجعه إليَّ بالحق، يؤدي بسالكه إلى الله، بلا انحراف، أو اعوجاج، أو انشغال ببنيات الطريق، فإذا وقف بين يدي الله، وقف بين يدي حَكَمٍ عدل، حكيم، وفاه حسابه غير منقوص، وجازى كلا بعمله.

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك