الأربعون الفلسطينية – الْحَدِيثُ السادس- جَوَازُ نَذْرِ الصَّلاةِ فِي بّيْتِ الْمَقْدِسِ
يشير الحديث إلى أنه بالرغم من أن المسجد الأقصى كان محتلا إلا أنه كان بإمكان الصحابة دخول المسجد من غير مانع ولا عائق
كتاب (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) وثيقة نبوية تؤكّد ارتباط الأرض المقدسة فلسطين برسالة التوحيد عبر الأزمان كلها أولها وأوسطها وآخرها، إنها أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تشد العالمين إلى أرض فلسطين، إنها زبدة أحاديث سيد المرسلين حول فلسطين وأهلها، صحيحة صريحة، تبعث فينا الأمل والجرأة في الحق، وصدق اليقين، ولقد لقي متن كتاب: (الأحاديث الأربعون الفلسطينية) قبولا واسعا؛ فقد تدافع كثيرون إلى ترجمته إلى لغاتهم؛ فاستحق أن يكون لهذا المتن شرح يليق به، وها نحن أولاء نشرح هذه الأحاديث في هذه السلسلة المباركة، واليوم مع شرح الحديث السادس:
1- عّنْ جَابِرٍ بنِ عَبْدِالله -رضي الله عنه- قال: أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي نَذَرْتُ لِله إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلّيَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ صلى الله عليه وسلم : صَلِّ هَا هُنَا. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : صَلِّ هَا هُنَا. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : شَأْنَكَ إِذًا «وفي رواية: والذي بعث محمدا بالحق لو صليت ههنا لأجزأ عنك صلاة في بيت المقدس».
شرح الحديث
ما زلنا نبحر في فضائل هذا المسجد العظيم، ونتقلب بين جملة من أحكامه، ونلمس وبكل وضوح حرص أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عليه، فها هو ذا رجل من عامة أصحاب النبي يعلنها صراحة برغبة جامحة زيارة المسجد الأقصى إن يسر الله فتح مكة للنبي صلى الله عليه وسلم .
قوله: إنَّ رجلًا قامَ يومَ الفتحِ، فقالَ: إن رجلًا: من الأنصار، و الرجل هو الأرقم: قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم ،لأودِّعه، وأراد الخروج إلى بيت المقدس فرحا بما مَنَّ الله على المسلمين بفتح مكة المكرمة، ويبدو أنه متشوق عجل متفائل لأن يفتح بيت المقدس بعد مكة.
قوله: يا رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم إنِّي نذرتُ لله: « وكان الأرقم قد أضمر هذا النذر قبل الفتح، فجاءه الخبر والنَّذر لغة: النَّذْرُ النَّحْبُ، وهو ما يَنْذره الإنسان، فيجعله على نفسه نَحْبًا واجبًا، وجمعه نُذُور كقولك: نذَرْتُ أَنذِرُ وأَنذُر نذْرًا، إِذا أَوجبتَ على نفسِك شيئًا تبَرُّعًا، مِن عبادة أَو صدقةٍ أَو غيرِ ذلك»، واصطلاحًا: هو ما يوجبه المكلَّف على نفسه أمرًا لم يلزمه به الشارع الكريم.
قوله: إِن فَتَحَ اللهُ عليكَ مكَّةَ: وهو ما اشترطه في نذره أن تفتح مكة: بيت الله الحرام، سميت مكة؛ لأنها تمك الجبارين -أي تذهب نخوتهم-، ويقال: إنما سميت مكة؛ لازدحام الناس بها، ويقال: مكة اسم المدينة، وبكة اسم البيت، وقال زيد بن أسلم: بكة الكعبة والمسجد، ومكة ذو طوى، وهو بطن الوادي، ومن أسمائها فاران: وهي كلمة عبرانية معربة، وقيل: هو اسم لجبال مكة، وقيل: فاران والطور كورتان من كور مصر القبلية، قال البغوي: وقيل: مكة وبكة شيء واحد، والباء تبدل من الميم.
قوله: أن أُصلِّي في بَيتِ المقدس ركعتينِ: أي في مسجد بيت المقدس.
قال صلى الله عليه وسلم : «صلِّ هاهُنا»، ثُم أعاد عليه، فقال: «صلِّ هاهُنا»، ثم أَعادَ عليهِ: أكد له مرارًا بأن هذا الذي أرشده إليه أولى له من أن يذهب إلى بيت المقدس ليفي بنذره شفقة عليه وتيسيرًا له.
فقال: صلى الله عليه وسلم «شأنُكَ إِذًا: «شأنُكَ» بالنصب على المفعول به أي الزم شأنك، والمعنى: أنت تعلم حالك وقد ترك له النبي خيار الأمرين بعد أن وجهه إلى الأصوب.
«إذًا»: بالتنوين جواب وجزاء، أي إذا أبيت أن تصلي هاهنا فافعل ما نذرت به من صلاتك في بيت المقدس.
«صل هاهنا»: وفيه دليل على أن من نذر بصلاة أو صدقة أو نحوهما في مكان ليس بأفضل من مكان الناذر لا يجب عليه الوفاء بإيقاع المنذور به في ذلك بل يكون الوفاء بالفعل في مكان الناذر ما لم يكن معصية، ويمكن الجمع بأن يتعين مكان النذر إذا كان مساويًا له أو أفضل منه.
أي: إن كنت عازمًا ولا بد فلك أن تذهب إذا شئت، ولا يلزمك الصلاة هنا وإرشاد النبي صلى الله عليه وسلم له يكفيه ويغنيه من مشقَّة السفر؛ لأن صلاته في المسجد الفاضل تغنيه عن المفضول.
ومثله ما جاء في حديث ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى، فَقَالَتْ: إِنْ شَفَانِي اللهُ لَأَخْرُجَنَّ فَلَأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، فَبَرَأَتْ ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الخُرُوجَ، فَجَاءَتْ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَأَخْبَرَتْهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: اجْلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ، وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «صَلَاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ المسَاجِدِ إِلَّا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ». وبه اتضح تعليل ميمونة بأن مكان السائلة أفضل لإيفاء نذرها من بيت المقدس الذي هو أقل أجرًا من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا من فقهها والتزامها هدي نبيها محمد صلى الله عليه وسلم .
وقد تعرض شيخ الاسلام ابن تيمية -رحمه الله- مناقشا مسألة السفر إليه والصلاة فيه أو الاعتكاف،فقال: «هل يجب عليه الوفاء بنذره؟ على قولين مشهورين، وهما قولان للشافعي: أحدهما: يجب الوفاء بهذا النذر، وهو قول الأكثرين، مثل مالك، وأحمد بن حنبل، وغيرهما. والثاني: لا يجب، وهو قول أبي حنيفة، فإن من أصله أنه لا يجب النذر إلا ما كان جنسه واجبًا بالشرع، فلهذا يوجب نذر الصلاة والصيام والصدقة والحج والعمرة، فإن جنسها واجب بالشرع ولا يوجب نذر الاعتكاف، فإن الاعتكاف لا يصح عنده إلا بصوم، وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وأما الأكثرون، فيحتجون بما رواه البخاري في صحيحه عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ ». فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوفاء بالنذر لكل من نذر أن يطيع الله، ولم يشترط أن تكون الطاعة من جنس الواجب بالشرع، وهذا القول أصح.
ونحوه قال البغوي: لو نذر أن يصلي في مسجد من هذه المساجد الثلاثة لا يخرج عن النذر إذا صلى في غيرها من المساجد، ولو نذر أن يصلي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج عن نذره إذا صلى في المسجد الحرام، ولا يخرج إذا صلى في المسجد الأقصى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام »، ولو نذر أن يصلي في المسجد الحرام فلا يخرج عن نذره بالصلاة في غيره، ولو نذر أن يصلي في المسجد الأقصى، فصلى في المسجد الحرام، أو في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج عن النذر. وبمثله أورد جابر بن عبدالله رضي الله عنه: « فيمن نذر الصلاة في المسجد الأقصى، يجزئه في المسجد الحرام ».
ولا يوفى النذر بمسجد دون الأقصى في الفضل كسائر المساجد غير الثلاثة، ومثله قال الخطابي رحمه الله: «هذا في النذر ينذره الإنسان أن يصلي في بعض المساجد، فإن شاء وفّى به وإن شاء صلّى في غيره، إلاّ أن يكون نذر الصلاة في واحد من هذه المساجد فإن الوفاء يلزمه بما نذر فيها. وإنما خص هذه المساجد بذلك؛ لأنها مساجد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقد أمرنا بالاقتداء بهم.
النذر في شريعة بني اسرائيل:
وقد عرف النذر في شريعة من كان قبلنا كبني إسرائيل؛ ففي زمنهم نذرت امرأة عمران وقيل: إن اسمها (حمنة) ما في بطنها لسدانة البيت المُقَدَّس، لما علمت حملها شكرا لله، قال الله تعالى على لسانها: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (آل عمران:35). وهذا يدل على جواز النذر بعامة في شريعة بني إسرائيل ولاسيما للمسجد الأقصى، وجواز مثله في شريعتنا أن ينذر المسلم ابنًا له لخدمة الدين لتعليم الناس الخير أو إعداده جنديًا من جنود الإسلام، ويحتسب ما ينفقه عليه من مأكل ومشرب ونحوه رضا لله -تعالى- وخدمة لدينة؛ فإنها من عظيم القربات التي يتحصل بها جملة من الخيرات والصدقات الجارية والنفع العظيم للمسلين.
وعودا على نذر امرأة عمران ، لما علم الله منها صدق النية عاجلها بقبول نذرها فقال تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ } (آل عمران: 37) وهذا مما يدُل على جواز نذرها بل ومباركته بالإنبات الحسن؛ فسخَّر لها مريم الصديقة التي بعد زمن أخرج من رحمها بكلمة منه ومن غير زوج، نبي الله عيسى عليه السلام، وكذلك سخر الله من يسهم في كفالتها ورعايتها وإعانة امرأة عمران على نذرها، وهو نبي الله زكريا عليه السلام لما كفِلها، ليأتيها بعد ذلك رزق الله من حيث لا تحتسب إلى محرابها من غير جهد منها ولا من غيرها من البشر، ومن عظيم فضلها أن الله -تعالى- لم يذكر اسم أنثى في كتابه غيرها؛ وهذا من عظيم فضل الله -تعالى- على هذا النذر المبارك.
من فوائد الحديث:
- فيه دليل على حب الصحابة للمسجد الأقصى والاشتياق للصلاة فيه مع ما في ذلك من مشقة السفر إليه.
- فيه دليل على أصل جواز زيارة المسجد الأقصى والصلاة فيه وهو تحت حكم الاحتلال؛ فالمسجد الأقصى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان تحت حكم الرومان ومع هذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع هذا الصحابي ولا غيره من الصلاة في المسجد الأقصى لمسوغ وجود الهيمنة الرومانية عليه.
- وفي الحديث إرشاد النبي صلى الله عليه وسلم للسائل بأنه يجزئ الوفاء بنذره في المسجد الحرام؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم هنا يفيد جواز الانتقال من المفضول إلى الفاضل، ولا يجوز العكس؛ لأن المسجد الحرام أفضل من سائر المساجد.
- فيه دلالة واضحة على صبر النبي صلى الله عليه وسلم و سعة صدرة و تحمُّله لأصحابه.
- يشير الحديث إلى أنه بالرغم من أن المسجد الأقصى كان محتلا إلا أنه كان بإمكان الصحابة دخول المسجد من غير مانع ولا عائق.
- والحديث فيه دليل على تيسير الشريعة ورحمتها بالمكلفين باختيار الأيسر والأسهل لهم.
لاتوجد تعليقات